بوشعيب حمراوي
لم يكن العالم يوماً يعيش ديمقراطية حقيقية كما يتوهم كثيرون، ولم يكن النظام الدولي قائماً على العدل والإنصاف كما تُروّج له الخطابات السياسية والمواثيق الأممية. فالتاريخ الحديث، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، يكشف بوضوح أن ما يسمى بالديمقراطية الدولية لم يكن سوى ديمقراطية القوى العظمى، حيث تتحكم الدول الأقوى في مسار الأحداث، وتحدد متى تندلع الحروب ومتى تتوقف، ومن يستحق العقاب ومن يستحق الحماية.
فالواقع الدولي لم يكن يوماً محكوماً بمنطق المساواة بين الدول، بل بمنطق ميزان القوة. فالدول الصغرى كثيراً ما تجد نفسها ساحة لصراعات لا تملك قرارها، إذ تندلع الحروب بينها أحياناً بسبب احتكاكات محلية أو نزاعات حدودية، لكنها في العمق تكون امتداداً لصراع غير مباشر بين قوى كبرى تسعى إلى توسيع نفوذها أو حماية مصالحها الاستراتيجية. وهكذا تتحول تلك الدول إلى مجرد بيادق على رقعة شطرنج جيوسياسية تتحكم فيها العواصم الكبرى.
وكم من حرب اشتعلت في العالم بسبب شرارة صغيرة في دولة ضعيفة، لكنها في الحقيقة كانت نتيجة احتكاك خفي بين قوى عظمى تتصارع على النفوذ أو الموارد أو طرق التجارة أو المواقع الاستراتيجية. فالتاريخ المعاصر مليء بالأمثلة التي تؤكد أن الكثير من النزاعات المحلية لم تكن سوى واجهة لحروب باردة أو ساخنة بين القوى الكبرى.
وفي المقابل، حين تقرر دولة عظمى أن تتدخل عسكرياً في دولة أضعف منها، فإنها تفعل ذلك غالباً دون أن تواجه أي ردع دولي حقيقي. فالقانون الدولي، الذي يفترض أن يكون مظلة لحماية الدول الصغيرة، يتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد نصوص جميلة بلا قوة تنفيذية. وغالباً ما تكتفي المؤسسات الدولية بإصدار بيانات القلق والدعوة إلى ضبط النفس، في حين تكون الوقائع على الأرض قد تجاوزت مرحلة النداءات الدبلوماسية.
وهنا يبرز السؤال الكبير حول دور هيئة الأمم المتحدة التي أُنشئت أصلاً للحفاظ على السلم والأمن الدوليين. فمن حيث المبدأ، تبدو هذه الهيئة إطاراً دولياً جامعاً تسعى من خلاله الدول إلى حل النزاعات بالحوار والوساطة. غير أن الواقع أثبت مراراً أن دورها غالباً ما يقتصر على التهدئة المؤقتة أو إدارة الأزمات دون حلها جذرياً. فكثير من النزاعات الكبرى ظلت لعقود طويلة معلقة داخل أروقة الأمم المتحدة دون أن تجد طريقها إلى الحل.
ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى طبيعة النظام الذي يحكم مجلس الأمن، وخاصة ما يعرف بـ حق النقض أو “الفيتو”. فهذا الحق، الذي مُنح لخمس دول فقط بعد الحرب العالمية الثانية، جعل من الديمقراطية داخل المنظمة الدولية أمراً شبه مستحيل. فقرار واحد يمكن أن يحظى بتأييد غالبية دول العالم، لكنه يسقط بمجرد اعتراض دولة واحدة من الدول الخمس الدائمة العضوية.
وهكذا أصبح الفيتو في كثير من الأحيان سلاحاً سياسياً يعطل العدالة الدولية بدل أن يحميها. فالدول الكبرى تستخدمه لحماية حلفائها أو مصالحها، حتى لو كان ذلك على حساب إرادة المجتمع الدولي بأكمله. وفي حالات كثيرة، تحولت قاعة مجلس الأمن إلى فضاء للصراع الدبلوماسي بين القوى الكبرى بدل أن تكون منصة لإقرار العدالة الدولية.
إن هذا الوضع جعل كثيرين يتساءلون: كيف يمكن الحديث عن ديمقراطية دولية في ظل نظام يمنح خمس دول فقط القدرة على تعطيل إرادة مئات الدول؟ وكيف يمكن للأمم المتحدة أن تكون حَكَماً عادلاً بين الدول بينما تُقيد قراراتها باعتبارات النفوذ والمصالح؟
لقد تغير العالم كثيراً منذ منتصف القرن العشرين، لكن بنية النظام الدولي ما زالت في جوهرها تعكس توازنات القوة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. ولذلك أصبح واضحاً أن الحديث عن إصلاح النظام الدولي لم يعد مجرد مطلب سياسي، بل ضرورة تاريخية تفرضها التحولات العميقة التي يشهدها العالم.
فإذا كان العالم يريد بالفعل نظاماً دولياً أكثر عدلاً واستقراراً، فإن ذلك يقتضي إعادة النظر في آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات الدولية، وخاصة في مجلس الأمن. لأن استمرار الوضع الحالي يعني ببساطة أن العالم سيظل محكوماً بمنطق القوة قبل القانون، وأن الديمقراطية الدولية ستبقى شعاراً جميلاً يرفع في الخطب، لكنه يغيب حين تحضر مصالح الدول الكبرى.
وفي انتظار ذلك الإصلاح المنشود، ستظل الحروب والنزاعات تتكرر، وستبقى الدول الصغرى في كثير من الأحيان ضحية لصراعات أكبر منها، بينما تستمر القوى العظمى في إدارة العالم وفق حساباتها الاستراتيجية، لا وفق مبادئ العدالة التي تتغنى بها.
وهكذا يتأكد مرة أخرى أن العالم، رغم كل ما يرفعه من شعارات الحرية والديمقراطية، ما زال يعيش في واقع تحكمه قاعدة قديمة لكنها صادقة: في السياسة الدولية، الكلمة الأخيرة غالباً ما تكون للقوة لا للقانون.
كثيرًا ما أجدني أقضي الساعات الطوال، ليلاً ونهاراً، غارقاً في أسئلة
ثقيلة عن مستقبل هذا العالم الذي باتت أنفاسه تنفث الدخان والجمر. أتساءل بقلق عميق عن مصير الطبيعة والحياة في ظل استمرار هذا الكائن البشري الذي يبدو، أكثر من أي وقت مضى، مصاباً بجنون العظمة وسعار الانتقام، ومهووساً بريادة زائفة لا تنتج سوى الخراب. وفي لحظات كثيرة، أجد نفسي – على غير عادتي – أميل إلى أولئك الذين يتحدثون عن قرب نهاية العالم، بل أكاد أتمنى تلك النهاية، لا كرهاً في الحياة، بل طمعاً في إيقاف هذا النزيف الإنساني المتواصل، وفي وضع حد لمسلسل الحروب والدمار والاستنزاف المجاني للدماء البشرية. إن ما يبدو واضحاً اليوم أن الإنسانية تسير وكأنها قد ضغطت بيدها على زر التدمير الذاتي، وجلست بعد ذلك تعد الدقائق والساعات في انتظار الرحيل الأكبر، غير عابئة بمصير الأجيال القادمة ولا بمستقبل الكوكب الذي يحتضنها. وأمام هذا المشهد القاتم، أجدني حائراً أمام طبيعة هذا الكائن البشري الذي لا يتردد في ذبح بني فصيلته، ويقضي سنوات طويلة في البحث عن وسائل أكثر فتكاً لتوسيع المجازر، بدل أن يكرس جهده لنشر ثقافة التسامح والتصالح والتآخي بين البشر. وفي خضم هذا الضجيج الدموي، أظل أتساءل: أين هم الشرفاء والعقلاء القادرون على تنقية وتطهير كراسي المسؤولية من العفن والتلوث الذي راكمه محتليها، وعلى فرض قدر من الإنصاف للإنسان والطبيعة والحياة، قبل أن يفوت الأوان؟
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
