آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » العالم في مرآة ترامب: بلاغة القوة في زمن التحوّل

العالم في مرآة ترامب: بلاغة القوة في زمن التحوّل

 

د. سلمان ريا

ليست تصريحات دونالد ترامب الأخيرة مجرد خطاب سياسي عابر، بل تعبير مكثّف عن لحظة انتقال في بنية النظام الدولي. ما يبدو تناقضًا في ظاهر القول—الدعوة إلى تقاسم الأعباء، والهجوم على حلف شمال الأطلسي، والانفتاح على إشراك الصين في تأمين مضيق هرمز—ليس إلا تمظهرًا للبحث عن صيغة جديدة للقوة، لا تتخلى عن الهيمنة، لكنها تعيد تعريف كلفتها وحدودها.

في جوهر هذا الخطاب، تتراجع فكرة “الضامن الكوني” التي طبعت سلوك الولايات المتحدة لعقود، لصالح نموذج أكثر براغماتية: قيادة لا تُمارَس عبر الاحتكار، بل عبر توزيع الأعباء. حين يُطلب من المستفيدين من الممرات الحيوية أن يدافعوا عنها، لا يُطرح ذلك كخيار، بل كتصحيح لخلل بنيوي في ميزان الالتزامات.

غير أن هذا التصحيح لا يخلو من مفارقة. فالتشكيك في بنية التحالفات، بالتوازي مع الحاجة إليها، يكشف عن توتر داخلي في مفهوم القيادة ذاته: هل تُبنى القوة عبر التفرد، أم عبر الشبكات؟ هنا، لا يُفكك الخطاب الحلف بقدر ما يعيد التفاوض على شروطه، واضعًا الولاء في مقابل الكلفة.

أما الانفتاح على إشراك الصين، الخصم الاستراتيجي، في تأمين شريان الطاقة العالمي، فيحمل دلالة أعمق: اعتراف ضمني بأن مراكز الثقل لم تعد قابلة للاحتواء ضمن قطب واحد. لكنه اعتراف مشروط، يسعى إلى تحويل الاعتماد الاقتصادي إلى التزام أمني، أي إدخال المنافس في منطق النظام بدل تركه خارجه.

في المقابل، يكشف تبسيط أمد الحرب المحتملة إلى أسابيع عن فجوة بين الخطاب والواقع. فالحروب المعاصرة لا تُقاس بزمنها العسكري فحسب، بل بارتداداتها الاقتصادية والتقنية، وبقدرتها على استدعاء أطراف غير منظورة. هنا، يبدو الخطاب كأداة لضبط التوقعات أكثر منه توصيفًا دقيقًا للميدان.

بهذا المعنى، لا تنطوي تصريحات ترامب على تناقض بقدر ما تعكس انتقالًا من منطق السيطرة المباشرة إلى منطق الإدارة غير المباشرة: تقليل الكلفة، توسيع هامش المناورة، وإعادة توزيع المخاطر. إنها محاولة لإعادة إنتاج القيادة في عالم لم يعد يقبل بالقيادة الأحادية، دون التخلي عن امتيازاتها.

المسألة، إذن، ليست في صدقية التصريحات أو تباينها، بل في ما تكشفه: أن النظام الدولي لا يُعاد تعريفه عبر الحروب وحدها، بل عبر اللغة التي تسبقها. وأن ما يُقال اليوم، مهما بدا متقلبًا، قد يكون الصيغة الأولية لعالم تُكتب قواعده الآن، على إيقاع توازن هش وصدام مؤجل.
(موقع اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كيف تعيد دمشق رسم نفوذها الإقليمي عبر الحدود اللبنانية؟

  عبدالله سليمان علي   أخذت الحدود السورية-اللبنانية تخرج من وظيفتها الأمنية البحتة مع التحشيدات السورية التي سبقت اندلاع الحرب على إيران. ثم جاءت الإشارات ...