د. سلمان ريا
ليست اللحظة الدولية الراهنة لحظة تسويات كبرى بقدر ما هي مرحلة إدارة نزاعٍ طويل الكلفة. فبعد سنوات من التوتر الحاد، برزت ثلاثة مسارات تفسيرية للمشهد العالمي: تفاهم جزئي بين الولايات المتحدة وروسيا يخفف حدة المواجهة ويثبت خطوط التماس؛ احتمال تصعيد مع إيران يعيد إشعال الخليج ويولّد صدمة طاقوية تضغط على الاقتصاد العالمي؛ أو انتقال طاقوي تدريجي يضعف مركزية النفط في الاقتصاد الدولي خلال عقد أو أكثر. غير أنّ حسابات الكلفة والعائد، ولا سيما بعد سنوات الاستنزاف التي كشفتها الحرب في أوكرانيا، تجعل السيناريو الأول الأكثر ترجيحاً: تهدئة براغماتية لا تُنهي التنافس، لكنها تضبط إيقاعه وتعيد تعريف حدوده.
هذه المرحلة لا تشبه لحظات إعادة رسم الخرائط الكبرى التي ارتبطت تاريخياً باتفاقات تقسيم واضحة المعالم، بل تبدو أقرب إلى تثبيت الوقائع التي أنتجتها سنوات الصراع. فالولايات المتحدة معنية بتبريد الساحة الأوروبية لتتفرغ لتحديات أوسع في النظام الدولي المتحوّل، فيما تحتاج موسكو إلى بيئة أسعار مستقرة وتخفيف نسبي للضغوط الاقتصادية التي تراكمت بفعل العقوبات وتكاليف الحرب. النتيجة ليست انقلاباً في النظام الدولي، بل انتقالاً إلى نمط أقل صخباً وأكثر واقعية، حيث تستمر المنافسة ضمن حدود مضبوطة ويجري استبدال منطق المواجهة المفتوحة بمنطق الردع المتبادل.
ضمن هذا السياق، تبدو سورية ساحة نموذجية لانعكاسات التهدئة الدولية. فلا مؤشرات على تسوية شاملة، لكن احتمالات التصعيد الواسع تتراجع، ويبرز اتجاه لتثبيت مناطق النفوذ وإدارة خطوط التماس بدل السعي إلى تغييرها. في الساحل، يحافظ الوجود الروسي على دور الضامن النسبي للاستقرار العسكري، مع تركيز متزايد على حماية البنية القاعدية والممرات البحرية. أما في الشرق، فتستمر معادلة التوازن الدقيق التي تجمع بين الردع والتفاهمات الضمنية، بما يمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة رغم تعقيد المشهد وتعدد الفاعلين.
اقتصادياً، لا تعني التهدئة انفراجاً سريعاً بقدر ما تعني إبطاء مسار التدهور. فمجرد انخفاض مستوى المخاطر الجيوسياسية ينعكس على توقعات الفاعلين الاقتصاديين وسلوك التحويلات المالية، ما قد يمنح سعر الصرف هامش استقرار نسبي ويخفف من نزعات الاكتناز. كما أن تحسّن البيئة الإقليمية يمكن أن يسهم في مرونة سلاسل الإمداد الأساسية ويحدّ من تقلباتها. غير أنّ هذه الآثار تبقى محدودة إن لم تترافق مع إصلاحات داخلية تمس الحوكمة وبيئة الأعمال والمالية العامة، لأن الاستقرار النقدي الذي لا يستند إلى قاعدة إنتاجية متماسكة يبقى هشاً وقابلاً للارتداد.
في هذا الإطار، يُرجّح أن تتركز أي استثمارات محتملة في القطاعات الأقل تعرضاً للمخاطر السياسية، مثل تشغيل المرافئ والخدمات اللوجستية وبعض العقود المحدودة في الطاقة والفوسفات. أي أنّ الدور الخارجي سيبقى أقرب إلى إدارة أصول قائمة وتحسين تشغيلها منه إلى ضخ استثمارات واسعة تعيد تشكيل الاقتصاد. وبذلك يتحقق قدر من الاستقرار التشغيلي من دون انتقال فعلي إلى مسار تنموي شامل، فيبقى الاقتصاد في منطقة وسطى بين الانكماش الحاد والتعافي الحقيقي.
خلال أفق زمني يمتد من سنة إلى ثلاث سنوات، قد يتبلور تحول تدريجي من إدارة الحرب إلى إدارة النفوذ. فروسيا، مع تراجع ضغوط المواجهة الكبرى، قد تميل إلى تقليص الكلفة العسكرية المباشرة مع الحفاظ على مواقعها الاستراتيجية التي تمنحها حضوراً طويل الأمد. وفي المقابل، قد تجد إيران نفسها أمام ضرورة إعادة معايرة حضورها بما يتلاءم مع منطق الاحتواء السائد، عبر تقليل الظهور العسكري المباشر وتوسيع أدوات النفوذ غير الصدامية. ويظل شرق الفرات مساحة التوازن الأكثر حساسية، حيث تتقاطع مصالح متعددة يجري ضبطها عبر تفاهمات غير معلنة أكثر مما تُدار عبر اتفاقات رسمية.
الساحل السوري يشكّل مرآة واضحة لهذه المرحلة. فمن جهة، يوفر الاستقرار الأمني النسبي شعوراً بالثبات ويحدّ من مخاطر الانزلاق، ومن جهة أخرى تظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية قائمة، ولا سيما في ظل محدودية فرص العمل وتباطؤ النشاط الإنتاجي. وقد تشهد المرافئ نشاطاً أكبر إذا خفّت القيود الدولية وتراجعت المخاطر، لكن تحقيق قفزة تنموية حقيقية يتطلب إعادة بناء الثقة الاقتصادية وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي وربط الاقتصاد بالمجالات الإقليمية الأوسع. ومن دون ذلك، يبقى الاستقرار أقرب إلى حالة أمنية منه إلى دينامية نمو قادرة على تغيير الواقع المعيشي.
في ظل هذا المشهد، تدخل إعادة الإعمار مرحلة يمكن وصفها بالإدارة الانتقائية لا الانطلاق الشامل. فالمشاريع الكبرى المرتبطة بإعادة بناء المدن والبنية التحتية ستظل مؤجلة بانتظار وضوح سياسي وتمويلي أوسع، بينما تتقدم مشاريع موضعية ذات طابع خدمي أو تشغيلي تستجيب للاحتياجات المباشرة وتتفادى المخاطر المرتفعة. أما القطاع المصرفي، فسيواجه معادلة مركبة: انخفاض نسبي في المخاطر قد يخفف عزلة التعاملات ويحسّن تدفقات التحويلات، لكنه لن يكفي لإعادة الاندماج المالي الكامل ما لم تتوافر بيئة تنظيمية أكثر شفافية وقدرة على التفاعل مع النظام المالي الدولي. ونتيجة لذلك، قد تنمو قنوات التمويل غير التقليدية والأدوات شبه المصرفية، مقابل استمرار محدودية الوساطة المصرفية الكلاسيكية، بما يجعل التعافي المالي تدريجياً وانتقائياً بدوره.
يبقى احتمال التصعيد الإقليمي قائماً لكنه مرتفع الكلفة على جميع الأطراف، لأن أي صدمة طاقوية حادة لن تقتصر آثارها على منطقة بعينها، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره. لذلك يغلب منطق الردع والاحتواء على منطق المغامرة، فيما يستمر عامل الانتقال الطاقوي في إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية العالمية ببطء ومن دون تحولات فجائية حاسمة.
في المحصلة، تبدو سورية أمام مرحلة يمكن وصفها بالاستقرار المعلّق: انخفاض في احتمالات الانفجار مقابل استمرار الجمود السياسي والاقتصادي. إنها مرحلة إدارة أزمة طويلة الأمد أكثر منها مرحلة حل، حيث يُعاد توزيع الأدوار وتثبيت الوقائع من دون تغيير جذري في المعادلة. وفي مثل هذا السياق، يصبح العامل الحاسم داخلياً بقدر ما هو خارجياً، لأن القدرة على تحويل الاستقرار النسبي إلى مسار إنتاجي تبقى رهناً بخيارات السياسات الوطنية وبقدرة المجتمع والدولة على بناء عقد اقتصادي واجتماعي جديد يجعل من الهدوء السياسي فرصةً للنهوض لا مجرد هدنةٍ عابرة.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
