محمد البغدادي
يستمر الجدل في العراق على خلفية انتشار فيديو افتراضي أثار ردود فعل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي. ويظهر في الفيديو، المصمم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري، أحد أبرز رموز الأدب العربي الحديث، في مشهد يُقدّم فيه الشاي لرئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني داخل مكتبه، وذلك ضمن إعلان بعنوان “عراق موحد” بمناسبة شهر رمضان.
وأثار الفيديو موجة غضب واستياء بين العراقيين والمثقفين، الذين اعتبروا تصوير شخصية وطنية وثقافية بهذه الطريقة إساءة للذاكرة الوطنية والثقافية واستخداماً غير مسؤول للتكنولوجيا الحديثة، مؤكدين أن المشهد يقلل من مكانة الجواهري ويحوّله إلى أداء رمزي لمهام بسيطة، ما أثار انتقادات لاذعة على الصعيد الشعبي والإعلامي.
مواقف رسمية… وتحقيق عاجل
وأصدرت هيئة الإعلام والاتصالات في العراق بياناً، اليوم الخميس، قالت فيه إن “الفيديو الافتراضي المتداول مؤخراً، والذي ظهر فيه شاعر العرب الأكبر الراحل محمد مهدي الجواهري، يُعد استخداماً غير منضبط لتقنيات الذكاء الاصطناعي وبصورة تسيء إلى القيم الأدبية والوطنية، كما يمثل محتوى مخالفاً للضوابط المهنية والإعلامية”.
ودعت الهيئة “جميع المؤسسات الإعلامية إلى تجنب نشر أو إعادة تداول أو ترويج هذا المحتوى، لما ينطوي عليه من إساءة للرموز الثقافية والمؤسسات الرسمية، وبما يحفظ المسؤولية المهنية ويصون المصلحة العامة”.
من جهته، قال وزير الثقافة العراقي أحمد فكاك البدراني، في بيان، إن “منصات التواصل الاجتماعي تداولت مقطعاً مُفبركاً، رخيص الفكرة، يُظهر الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري في مشهد مُهين لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة، ولا إلى الأخلاق العامة أو الوعي الثقافي بأي رابط. وهذا الفعل ليس مزحة ولا محتوى، بل طعنة في ذاكرة العراق، وإساءة متعمّدة لرمز وطني حمل اسم البلاد وثقافتها ومواقفها إلى المنابر العربية والدولية بكرامة وشموخ”.
وأكد البدراني أن “الجواهري لم يكن صورة عابرة تُستهلك في العبث الرقمي، بل كان ضميراً شعرياً وموقفاً وتاريخاً لا يُدنّس بفيديو مُفبرك ولا بعقول تبحث عن الشهرة في الوحل”. وأضاف أن وزارة الثقافة والسياحة والآثار “تؤكد رفضها القاطع لهذا الانحدار، وتدين هذا السلوك، وتدعو الجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات رادعة بحق من يقفون وراءه”.
وكان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قد أعلن، أمس الأربعاء، رفضه للفيديو الافتراضي الذي ظهر فيه مع “شاعر العرب الأكبر” الراحل محمد مهدي الجواهري، معتبراً أن المشهد جاء “بشكل يتنافى مع ما يحمله من احترام وتقدير لقيمة الجواهري الأدبية والوطنية”.
ووجّه السوداني هيئة الإعلام والاتصالات إلى “إجراء تحقيق عاجل بشأن الجهات التي قامت بإنتاج أو ترويج أو نشر هذا الإعلان، لما يتضمنه من إساءة إلى الرموز الثقافية والمؤسسات الحكومية، فضلاً عن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل غير مسؤول ومخالف للضوابط المهنية والإعلامية”، مؤكداً أنه “يحتفظ بحقه القانوني في مقاضاة الجهة التي عملت على إنتاج الفيديو المسيء للعراق ورموزه الوطنية”، وفق بيان لمكتبه الإعلامي.
ردود الجهة المنتجة: بعد رمزي
في المقابل، قالت بان الجميلي، منتجة ومخرجة ومؤلفة إعلان “عراق موحد”، في تصريحات صحافية، إن “صفة رئيس الوزراء في الإعلان ليست شخصية، وإنما ترمز إلى المنصب السياسي، ونشكر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لتعاونه وموافقته على المشاركة”. وأضافت أن “الإعلان يحمل رسالة وطنية بسيطة مفادها أن العراق موحد حتى في أبسط التفاصيل، ومنها الشاي العراقي، ولا يتضمن أي إساءة لأي رمز”.
وأكدت الجميلي أنها اختارت الجواهري “لأنه من أكثر الشعراء تغنّياً بالوطن”، مشيرة إلى أن الأغنية المصاحبة للعمل بعنوان “عراق موحد” هي “مدح وتمجيد للعراق”، وأن اختيار الجواهري جاء “تكريماً لموروثه الثقافي واستخداماً لرمزيته، لا لشخصه”.
أما شركة “بانا ماركتينك” المنتجة للعمل، فأكدت في بيان أن “إعلان عراق موحد أُنتج برؤية إبداعية تهدف إلى تجسيد الهوية العراقية الجامعة وتسليط الضوء على عمقها الثقافي والحضاري”، مشددة على أنها “تحترم جميع الآراء، وتعتز بالنقاشات الثقافية الواعية التي تثري الساحة العامة”، وأن الإعلان “أُنتج بروح وطنية خالصة بعيداً عن أي توظيف سياسي أو حزبي”.
ورغم هذه التوضيحات، لم تتراجع حدة الانتقادات، إذ رأى عدد من المثقفين والإعلاميين في الحادثة جرس إنذار يدعو إلى مراجعة ضوابط استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإعلانات والمحتوى الإعلامي، خصوصاً عند التعامل مع شخصيات وطنية وتاريخية لها حضور عميق في الوجدان الثقافي العراقي.
ويُعد الشاعر محمد مهدي الجواهري (1899 – 1997) أحد أبرز شعراء العرب في العصر الحديث. وُلد في مدينة النجف الأشرف بالعراق، ولُقّب بـ”شاعر العرب الأكبر”، وترك إرثاً شعرياً وثقافياً كبيراً. شغل مناصب ثقافية وصحافية عدة، وانتُخب رئيساً لاتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، ونال العديد من الجوائز والتكريمات العربية والدولية، قبل أن يتوفى في العاصمة السورية دمشق عام 1997.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
