آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » “العقل المالي للدولة”.. هل ينجح المصرف المركزي في استعادة دوره؟

“العقل المالي للدولة”.. هل ينجح المصرف المركزي في استعادة دوره؟

جاك وهبه

 

في ظل محاولات مكثفة منذ التحرير لانتشال سوريا من دوامة التشتّت المالي وانهيار العملة واستنزاف احتياطات النقد الأجنبي على مدى سنوات طويلة من الفساد وسوء الإدارة، يتصدر ملف عودة إدارة موارد الدولة إلى مصرف سوريا المركزي النقاش حول ملامح المرحلة المقبلة ومستقبل الاقتصاد الوطني.

 

ويسعى المصرف المركزي في هذه المرحلة إلى إعادة ترتيب أدواته النقدية والمصرفية ضمن مسار يشكل بداية لمرحلة جديدة تهدف إلى ترميم الثقة المالية واستعادة الاستقرار النقدي.

 

لكن تذبذب سعر الصرف مؤخراً يكشف عن حراك متباين بين السوق الرسمية والموازية، إذ يحاول المركزي شدّ الليرة نحو الاستقرار داخل الإطار المصرفي، في وقت لا تزال السوق الموازية رهينة تقلبات حادة تحكمها عوامل عرض وطلب غير منظمة وغياب قناة مركزية فاعلة لإدارة القطع الأجنبي.

 

هذا المشهد المعقد يبرز أهمية أن تكون عائدات الدولة وإيراداتها العامة في قلب أي مشروع إصلاح نقدي محتمل، لا سيما مع توجّه المصرف المركزي نحو سياسات تستهدف توحيد قنوات الدفع والتسويات المالية، وتعزيز دوره كمرجعية وحيدة لإدارة السيولة والاحتياطات.

 

وتأتي هذه الاستجابة بعد سنوات من تآكل الدور النقدي المركزي وتمدّد قنوات تمويل غير رسمية وأسعار صرف متقلبة، أسهمت في تصاعد التضخم وتقويض الثقة بالقطاع المصرفي الرسمي، فهل تنجح هذه المقاربة في استعادة الدور المفقود للمصرف المركزي أم تصطدم مجدداً بواقع اقتصادي أعقد من أن يُضبط بالأدوات التقليدية؟

 

نقطة تحول

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، مؤخراً أن عودة موارد كامل الجغرافية السورية إلى كنف الدولة تتجاوز الإيرادات لتكون محطة مفصلية لإعادة بناء السيادة المالية والنقدية للدولة، وعامل طمأنينة بأن هذه الموارد ستُخصص وتُنفق بشفافية ضمن خطط الدولة ولتلبية احتياجات كل الشعب السوري.

 

وقال الحصرية: إن عودة الموارد ستمكّن المصرف المركزي من استعادة دوره الطبيعي باعتباره العميل المالي للحكومة، حيث ستُدار جميع احتياجات القطاع الإداري من اعتمادات واستيراد وتمويل حصرياً عبره، بما ينهي حالة التشتت وتعدد القنوات والبدائل غير الرسمية التي أضعفت المنظومة المالية خلال السنوات الماضية وفتحت الأبواب واسعة أمام الفساد والإفساد.

 

وتعليقاً على ذلك، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر، أن عودة موارد الدولة إلى إدارة المصرف المركزي تمثل نقطة تحول في بنية الاقتصاد أكثر منها إجراء إدارياً أو محاسبياً، معتبراً أن أهميتها تتجاوز بعدها المالي المباشر إلى إعادة تجميع القرار المالي والنقدي بعد سنوات من التفكك، حيث تآكلت قدرة الدولة على الضبط، وتقدمت البدائل غير الرسمية لتملأ الفراغ بكلفة عالية على الاستقرار والعدالة الاقتصادية.

 

وأوضح السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذه العودة تعني عملياً استعادة المصرف المركزي لوظيفته الأساسية بوصفه “العقل المالي” للدولة.

 

وأشار إلى أن الليرة السورية فقدت خلال السنوات الماضية أحد أهم عناصر دعمها، المتمثل بوجود مرجعية واحدة تدير التدفقات وتوازن بين العرض والطلب على القطع الأجنبي وتحدد أولويات التمويل.

 

كما لفت إلى أن غياب هذه المرجعية فتح المجال أمام تعدد القنوات واختلاط الأدوار، وهو ما انعكس مباشرة على استقرار السوق النقدية.

 

تدخل منظم

قال الخبير الاقتصادي السيد عمر: إن تدفق الموارد العامة إلى قناة واحدة يمنح المصرف المركزي مجالاً أوسع للتدخل المنظم من خلال إدارة أكثر هدوءاً وواقعية للسيولة والقطع، بعيداً عن الإجراءات القسرية أو الطارئة، موضحاً أن ذلك لا يعني قفزات سريعة في سعر الصرف، لكنه يفتح الباب أمام استقرار نسبي قائم على أدوات حقيقية لا على ردود فعل ظرفية.

 

ويتقاطع هذا الرأي مع تأكيد الحصرية أن هذه الخطوة ستمكن المصرف المركزي من تمويل احتياجات استيراد البلاد بشكل منظم ومؤسسي، وتوحيد قنوات الدفع والتسويات المالية، واستعادة أدواته في إدارة السياسة النقدية والقطع الأجنبي.

 

واعتبر السيد عمر أن الأثر الأهم لهذه السياسات يظهر في سوق القطع الأجنبي، حيث إن توحيد تمويل الاستيراد عبر المصرف المركزي يقلص المساحات الرمادية التي نشأت بين السعر الرسمي وسعر السوق، لافتاً إلى أن الفجوة الواسعة كانت نتيجة مباشرة لتعدد القنوات واختلاط الأدوار، وأكد أن التمويل المراقب من جهة واحدة يحد من المضاربات ويجعل السعر الرسمي أكثر التصاقاً بالواقع.

 

ولفت إلى أن هذا الانضباط ينعكس على السوق المحلية، مبيناً أن توفر السلع الأساسية لم يعد مرهوناً بشبكات تمويل متقلبة أو بتكاليف إضافية تحمّل للمستهلك.

 

وأضاف أن التمويل المنظم يقلل من عدم اليقين لدى المستورد ويخفف من السلوك الاحترازي الذي كان يدفع إلى رفع الأسعار، بحيث تكون النتيجة المتوقعة تراجع وتيرة الارتفاع.

 

بعد سيادي

رأى السيد عمر أن استعادة المصرف المركزي لدوره الكامل تحمل بعداً سيادياً يتجاوز الداخل، إذ إن التعامل مع المصارف المراسلة والالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يعيدان رسم صورة القطاع المصرفي السوري خارجياً.

 

وفي هذا الإطار، كان الحصرية قد شدد على أنه للمرة الأولى منذ 70 سنة، سيكون المصرف المركزي قادراً على أداء دوره الكامل كسلطة نقدية غير منقوصة، عبر التعامل مع المصارف المراسلة بشفافية ووضوح، وقيادة التزام القطاع المالي السوري بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإعادة بناء الثقة الخارجية بالقطاع المصرفي السوري.

 

وأكد السيد عمر أن الثقة الخارجية تُبنى بسلوك مالي متماسك يمكن تتبعه والتحقق منه، مبيناً أن تخصيص الموارد وإنفاقها ضمن خطط الدولة وبشفافية له أهمية تشمل الداخل، وأيضاً تشكل رسالة للخارج بأن المال العام يخضع لإدارة مؤسسية قابلة للمساءلة.

 

ورأى أن عودة الموارد في هذا السياق تعيد تعريف وظيفة الدولة الاقتصادية، بوصفها دولة تمول وتنظم وتراقب، لا تلاحق الأزمات بعد وقوعها، مؤكداً أن مصرفاً مركزياً يقود السياسة النقدية بأدواته الطبيعية يشكل حجر الزاوية في أي تعافٍ منظم.

 

وشدد السيد عمر على أن الرهان الحقيقي يتمثل في كيفية إدارة الموارد العائدة أكثر من حجمها، معتبراً أن نجاح الدولة في تثبيت هذا المسار يعني استعادة منطق العمل المؤسسي نفسه، وهو الشرط الأول لأي استقرار نقدي أو نمو مستدام.

 

أخبار سوريا الوطن١-الثورة

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العملة السورية الجديدة :ضعف في التداول …وتراجع بالطلب على الاستبدال وتوقعات بالتحسّن بداية شباط مع صرف الرواتب

  عبد الهادي شباط مع نهاية الأسبوع الثالث على استبدال العملة مازال تدوال الأوراق النقدية الجديدة متواضعاً في السوق و حركات البيع و الشراء و ...