آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » العقيدة الدينية التوراتيّة تحرّك الترسانات العسكرية

العقيدة الدينية التوراتيّة تحرّك الترسانات العسكرية

 

د. أيمن عمر

 

مع اتساع الحرب في الشرق الأوسط، عاد البعد الديني ليحضر بقوة في الخطاب السياسي الأميركي والإسرائيلي خصوصاً مع تزايد التصريحات السياسية التي تستحضر نصوصاً توراتية لتبرير السياسات الإسرائيلية أو الدفاع عنها. فإلى جانب الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة والنفوذ الإقليمي، تبرز في التصريحات الرسمية إشارات إلى نصوص توراتية تُستخدم لتفسير الصراع أو منحه بعداً تاريخياً وروحياً.

 

وقد أصبح الخطاب الديني جزءاً واضحاً من السردية التي يعتمدها بعض القادة في الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة لتبرير الحرب.

 

الوعود التوراتية

يستند الخطاب الديني اليهودي التقليدي إلى نصوص من سفر التكوين في الكتاب المقدس الذي يتضمن “الوعد الإلهي” لإبراهيم ونسله بالأرض الممتدة من “نهر مصر إلى الفرات”، بحيث أصبحت هذه الآيات إحدى الركائز الأساسية في الفكر الصهيوني الديني، ومبرّراً لحروب التوسّع الإسرائيلي والأميركي.

 

تعود جذور هذه السردية إلى نصوص وردت في “سفر التكوين” في الكتاب المقدس، إذ يرد الوعد الإلهي في عدة مواضع من السفر نفسه، أبرزها: “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير الفرات” (15:18)، “أعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان ملكاً أبدياً” (17:8)، “لك ولنسلك أعطي جميع هذه الأراضي” (26:3)، “الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك” (28:13).

 

هذه النصوص كانت لقرون جزءاً من التراث الديني، لكنها تحوّلت مع صعود الحركة الصهيونية إلى مرجعية رمزية في الخطاب والفكر السياسي الذي يربط الدولة الإسرائيلية بجذور توراتية.

 

استدعاء التاريخ والكتاب المقدس كمحفّز للحرب

يُعدّ رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” من أبرز السياسيين الذين يستخدمون الرمزية الدينية في خطابهم السياسي. فخلال إحدى خطاباته في بداية الحرب على غزة، قال نتنياهو مخاطباً الجنود الإسرائيليين إنهم “يقاتلون دفاعاً عن شعب إسرائيل وعن أرض إسرائيل”، ومؤكداً أن الدولة الإسرائيلية ستواصل الدفاع عن “أرضها وشعبها حتى تحقيق النصر”، في إشارة واضحة إلى البعد التاريخي والديني للصراع. وفي مناسبات أخرى استشهد بنصوص من الكتاب المقدس، مؤكداً أن الدولة الإسرائيلية تخوض “معركة تاريخية للدفاع عن وجودها”، وهو خطاب لربط العمليات العسكرية بالسردية الدينية التي تعزز الهويّة القومية الإسرائيلية وتحفزّ الشعب اليهودي والجنود في تحملّ تكاليف الحرب الباهظة.

 

كما تحدث نتنياهو في أكثر من مناسبة عن “المهمة التاريخية والروحية” للشعب اليهودي في حماية الدولة وتعزيز قوتها في منطقة مضطربة. أما وزير المالية الإسرائيلي “بتسلئيل سموتريتش” فذهب أبعد من ذلك عندما تحدث عن “حق إلهي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل”. وخلال خطاب موجّه للجيش الإسرائيلي في بداية الحرب، استشهد نتنياهو بنص توراتي من العهد القديم قائلاً: “تذكّروا ما فعله بكم عماليق”، وهو اقتباس من التوراة يشير إلى العدو التاريخي لبني إسرائيل، ويُستخدم في الخطاب الديني للدلالة على العدو الذي يجب القضاء عليه بالكامل.

 

الحرب على الأوهام النبويّة

الخطاب الديني لم يقتصر على الجانب الإسرائيلي، فقد برز ذلك في تصريحات العديد من المسؤولين الأميركيين، منها تصريحات وزير الدفاع الأميركي “بيت هيغسيث” الذي أثار جدلاً واسعاً حين قال في معرض تبريره الحرب على إيران إن: “الأنظمة المهووسة بأوهام إسلامية نبويّة مثل إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً”، مغلّفاً كلامه بطابع ديني يظهر بالعداء الحقيقي للإسلام والنوايا الحقيقية للحرب الأميركية.

 

كما أدلى السفير الأميركي لدى الكيان الإسرائيلي “مايك هاكابي” بتصريح أشار فيه إلى أن الكتاب المقدس يتحدث عن الأرض التي أُعطيت للشعب اليهودي، في إشارة إلى الوعد التوراتي.

 

بين النصوص القديمة والمطامع الاقتصادية، يتشكّل مشهد معقّد تتداخل فيه العقيدة مع الجغرافيا السياسية. ومع ذلك، فإن الحرب في جوهرها تبقى جزءاً من معادلة جيوسياسية معقدة، فالشرق الأوسط يضم أهم احتياطيات الطاقة في العالم، وتتحكم ممراته البحرية في جزء كبير من تجارة النفط والغاز وتمر به مشاريع الممرات العالمية الدولية (طريق الحرير الصيني والممر الهندي)، ما يجعل أي صراع فيه مرتبطاً مباشرة بالتوازنات الاقتصادية العالمية. وفي منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية مع الإرث الديني والتاريخي، يبدو أن هذا التداخل سيبقى عنصراً حاضراً في فهم الصراع الدائر ومستقبله.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-النهار

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حرب إيران… مكاسب روسيا والصّين الخفيّة

  د. باسل الحاج جاسم   تبدو المواجهة العسكرية الأميركية الإسرائيلية مع إيران وكأنها صراع مباشر يقتصر على الشرق الأوسط، لكن في الواقع، فإن تداعيات ...