علي المسعود
هناك أفلام لا تشاهد فقط، بل تشعر بها وتتعاطف معها. ينتمي فيلم “العميل السري” إلى تلك الفئة من أفلام الإثارة السياسية، ينتقل الفيلم بين الماضي والحاضر ويتحدث عن الذاكرة والخوف والبقاء . الفيلم كتابة و أخراج ” كليبر ميندونسا فيليو “. تدور أحداث الفيلم في السنوات الأخيرة من الديكتاتورية العسكرية البرازيلية لتذكيرنا بأن الصمت هو أيضا شكل من أشكال العنف .
على مدى العقد الماضي، أعادت السينما البرازيلية بشكل متزايد النظر إلى الديكتاتورية العسكرية التي حكمت من 1964 إلى 1985. إلى جانب “العميل السري” و”أنا ما زلت هنا”، عاد صناع الأفلام إلى تلك الفترة في أعمال مثل : ” فيلم “ماريغيلا” هو فيلم برازيلي صدر في عام 2019، من تأليف وسيناريو وتمثيل من تدريسي وينغ مورا. الفيلم يتناول حياة كارلوس ماريغيلا، السياسي والمثقف والمعارض للنظام الديكتاتورية العسكرية البرازيلية لإي أولى تجارب الممثل البرازيلي فاغنر مورا ألأخراجية الذي يسرد جانباً من حياة كارلوس ماريغيلا، السياسي والمثقف والمعارض للنظام الديكتاتوري العسكري المدعوم من الولايات المتحدة .
العميل السري: الذاكرة، الاضطهاد والصمت في سينما سياسية
تدور أحداث الفيلم في البرازيل عام 1977، ونتابع مارسيلو ألفيس (فاغنر مورا )، رجل يهرب من تهديد مرتبط بماضيه. في محاولته للاختفاء، يصل إلى مدينة “ريسيفي”، حيث يختبئ في منزل يصبح ملاذاً و مأوى مؤقت لأولئك الفارين من الاضطهاد السياسي. بينما يحاول حماية إبنه بالابتعاد عنه، يجبر مارسيلو على مواجهة أسئلة غير مريحة حول هويته وتاريخ عائلته ومحاولة الهروب مع ولده . رغم أن مدينة”ريسيفي” بعيدة وتصبح مكانا آمنا له، لكن الخطر فيها صامتا و مستمرا ويقترب أكثر فأكثر . عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان كان 2025 وسط تصفيق دام ثلاثة عشر دقيقة، و حصل على جائزة أفضل ممثل ل”واغنر مورا” ، و جائزة أفضل مخرج للمخرج” كليبر ميندونسا فيليو” . يبدأ الفيلم في عام 1977 بجثة في العراءئ زغير مدفونة، تمثل ماض من القمع (والفساد) لم تتمكن البرازيل من دفنه بعد 50 عاما . تصادف الأستاذ مارسيلو عند هروبه من ماضيه والعودة إلى مدينة ريسيفي البرازيلية في نفس العام و في خضم الديكتاتورية العسكرية. هناك يأمل في إعادة بناء حياته ولقاء ابنه مرة أخرى ، لكن الأمر لن يكون سهلا بسبب ملاحقة قوات الحكومة القمعية وفرق الموت والأغتيالات لأصوات المعارضة . يؤدي الممثل “فاغنر مورا” دور أرماندو، يظهر في إفتتاحية الفيلم يقود سيارته فولكسفاغن “الدعسوقة” الصفراء إلى ريسيفي .
عند توقفه عند محطة وقود معزولة، يكتشف جثة على الأرض، بالكاد مغطاة بصندوق كرتوني. لقد كانت متروكة منذ أيام ، كما يخبره أحد الموظفين في محطة الوقود بشكل عابر. ربما تأتي الشرطة للبحث عنها في النهاية. في تلك اللحظة تصل الشرطة، لكنها لم تكن هناك للاعتناء بالمتوفى أو التحقيق عن الجثة، بل تفضل ابتزاز أرماندو وتطلب منه رشوة . ” ميندونسا فيليو ” الذي شارك سابقا في إخراج الفيلم الغربي المحموم “باكورو”، الذي ينتقد أيضا عدم المساواة والاستعمار، يخبرنا بكل ما نحتاج معرفته عن الفترة التي سندخلها. يفضح الفساد المتفشي في مؤسسات الدولة ويعري الواقع تحت ديكتاتورية قاسية . الحياة تبدو رخيصة ، أرماندو لا يحتاج إلى تذكير. في الواقع، هو هارب ويستخدم اسم مارسيلو كاسم مستعار ليختبئ من أصحاب السلطة الذين يبحثون عنه. كان عالما في السابق ورئيس قسم في الجامعة، من الرجوع الى الماضي ، نتعرف على حياة قاسية عاشها من خلال ذكريات مؤلمة، دمرت مستقبله الاكاديمي وحياته الأسرية، مما اضطره لتغيير هويته والنظر في الهروب من البرازيل. لكن أولا، يجب على أرماندو أن يأخذ ابنه الصغير فرناندو (إنزو نونيس)، الذي يعيش مع والدي زوجته المحبوبة الراحلة فاطمة (ألين مارتا). سرعان ما يكتشف أن قتلة مأجورين تم توظيفهم لقتله بأوامر من تابع حكومي فاسد تحداه عندما كان مسؤولاً عن قسم البحوث التكنلوجية في مجالات الطاقة ، الآن هناك مكافأة على رأسه.
تستمر أحداث الفيلم عارضة لشخصيات داعمة جديدة بقصصها الخاصة. نلتقي بزملاء أرماندو اللاجئين الآخرين، جميعهم يستريحون في مجمع سكني تشرف عليه سيدة عجوز( شيوعية سابقة) (تانيا ماريا). يجد حبيبة (هيرميلا جيديس) أثناء مواجهتها لوالدي فاطمة المصدومين برحيل إبنتهما، اللذين يشتبهان في أن صهرها خانها أثناء حياتها. حتى أن ميندونسا فيليو يستثمر وقته في الأتباع (غابرييل ليوني، روني فيليلا) الذين أرسلوا لإغتيال أرماندو .يستذكر المخرج كل المغيبين والمعتقلين في مرحلة ألاستبداد ، وينعى الفيلم كل أولئك السياسيين الذين لم نعرف أسمائهم أبدا، حتى لو استخدمت تعليقاتهم بخفة. حتى مع وصول هذا الفيلم إلى خاتمته المتعثرة وغير التقليدية، فإن موقف ميندونسا فيليو يحمل استسلاما ساخرا بقدر ما هو غاضب. يقترح “العميل السري” ألا نسمح بإسكات هذه الأصوات من الماضي. لا يزال لديهم أشياء ليخبرونا بها . يبني المخرج “كليبر مندونسا فيليو” فيلم إثارة سياسي يتجنب المواقف الشائعة في السينما التاريخية. لا توجد خطب واضحة ولاشعارات هنا، لكن أجواء كثيفة، صمت طويل، وإحساس دائم بالتهديد. الماضي لا يعرض كأرشيف مغلق، بل كجرح لا يزال مفتوحا.يتحاور الفيلم مع الحاضر، موضحا كيف يرث الأجيال الجديدة أسئلة ومخاوف وفراغات لم تحل أبدا. فيلم “العميل السري” مستوحى من أحداث وسياقيات حقيقية للديكتاتورية العسكرية البرازيلية، وهي فترة تميزت بالاضطهاد والاختفاء والخوف اليومي والرقابة.يستكشف الفيلم ظلال الديكتاتورية العسكرية في البرازيل .
يغوص فيلم “العميل السري السري” في أجواء الديكتاتورية العسكرية البرازيلية في السبعينيات، خاصة في مدينة” ريسيفي “، مستكشفا التوتر والمراقبة المستمرة والبارانويا التي ميزت الحياة اليومية. على الرغم من أن قصة مارسيلو خيالية، إلا أن كل مشهد مشبع بحقائق عاشها الكثيرون من المعارضين واليساريين من: القمع، النفي، الاختفاء، والخوف الذي نفخ في المجتمع . مارسيلو ليس شخصية تاريخية، لكن قصته تبدو حقيقية. يجعله الفيلم مرآة لآلاف البرازيليين الذين عاشوا تحت القمع والخوف المستمر وعنف الدولة في السبعينيات. يمثل ما مرت به العديد من العائلات البرازيلية: الاختفاء، الرقابة، والشعور المستمر بالخطر .
تحوبل الخوف والذاكرة الى المقاومة
قصة رجل عادي تورط في الاضطرابات السياسية في البرازيل في أواخر السبعينيات. وفي الوقت نفسه، بجدية شديدة و بصدق في تلك الفترة . يظهر الارتياب السياسي في البرازيل يتنفس في كل زاوية، وظل الديكتاتورية يلمس الجميع، حتى أولئك الذين يعتقدون أنهم قادرون على الهروب. فيلم “العميل السري”، الإثارة الجديدة من تأليف كليبر ميندونسا فيليو، لا يروي فقط قصة الهروب: بل يحول الخوف والذاكرة والمقاومة إلى عرض للتوتر وأسلوب النوار الجديد.يصل مارسيلو ألفيس إلى ريسيفي بهدف واحد فقط: الاختفاء. مطاردا بأشباح ماضيه خلال السنوات الأخيرة من الديكتاتورية العسكرية البرازيلية، يجد ملاذا في منزل يعمل كمخبأ جماعي. آخرون يعيشون هناك، مثله، اضطروا للهروب من التهديدات الخفية والمستمرة . لكن الخطر ليس خارجيا فقط: بينما يسعى لحماية إبنه وإعادة بناء هويته، يكتشف مارسيلو أن الماضي لا يمكن دفنه بسهولة . يجمع فيلم العميل السري بين التشويق والتاريخ والسينما المؤلفة مع حس معاصر. ليست مجرد إثارة سياسية: إنها تأمل لما نتركه خلفنا، وما يطاردنا، وكيف يمكن أن تكون الذاكرة فعل مقاومة .
ويبدأ “العميل السري” بمونتاج بالأبيض والأسود لرموز وطنية في ذلك الوقت، من كلاسيكيات الأفلام إلى المسلسلات الناجحة . قال بطل الفيلم واغنر مورا في مقابلة حديثة: “إنه في خطر فقط بسبب من هو، لأنه يدافع عن القيم التي يمثلها”. “هكذا تعمل السلطوية في كل مكان” . نجح المخرج “ميندونسا فيليو ” في ترسيخ القصة في زمن ومكان محددين: كرنفال في ريسيفي، مسقط رأس المخرج في شمال شرق البرازيل. باعتبارها مركز عالمه السينمائي، تعد المدينة مسرح لمواجهة بلد لا يزال يكافح للمصالحة مع ماضيه. قال ميندونسا فيليو: “لقد استهلكنا أشياء مذهلة من أماكن كثيرة — من أكيرا كوروساوا في اليابان إلى إلفيس بريسلي في جنوب الولايات المتحدة.” “أنا برازيلي، وفيلمي برازيلي. إذا كان جيدا، فسيكون عالميا” .
يصور المخرج “ميندونسا فيليو” ذلك دون دراما، كما لو أن الوحشية قد تسرب إلى ماء الشرب. في فيلم العميل السري، القتل ليس فعلا استثنائيا، إنه جزء من تحول الشخصيات التي تنتقل من إعدام شخص في الشارع وأمام أعين المارة ، إلى النوم دون أن تفقد كوابيسه. تتداخل الاغتيالات السياسية والجرائم في الشوارع حتى تصبح غير قابلة للتمييز، صورة حزينة — ومضحكة بشكل غريب — لبلد تعلم أن يعيش مع الفساد كمن يقبل تسرب الغاز: خطير، نعم، لكنه شائع جدا بحيث لا يقلق. يتحرك مارسيلو في وسط ذلك المكان كدخيل يحاول أن يبدو طبيعي .يقدمه الفيلم في مشهد افتتاحي لا تشوبه شائبة، يكاد يكون فيلما قصيرا داخل الفيلم الروائي، حيث تتحول محطة وقود ضائعة في الأطراف إلى بطاقة بريدية للعبثية الاستبدادية. جثة ملقاة بجانب نافورة، تشعر كما لو كانت جزءا من المشهد، عامل محطة الوقود يروي الموت كما لو كان يعلق على الطقس .
تستمر الفوضى في التصاعد عندما يظهر شرطيان، واللذان، بشكل غريب، أظهرا اهتماما أكبر بسيارة مارسيلو “فولكس فاجن” من الجثة المتحللة على بعد أمتار قليلة. أحدهم يفحص السيارة كما لو كان يبحث عن جريمة مرسومة على تابلو السيارة. في النهاية، كل ما يريدونه هو “تبرع” لصندوق عطلاتهم غير الموجود . تحل الرشوة محل القانون، وتصبح الحياة الطبيعية مزحة خاصة لدى السلطات .عندما سمحوا له أخيرا بالاستمرار في طريقه، يوضح الفيلم أصعب نقطة فيه: في هذا العالم/عصر العنف الذي لا يمكن السيطرة عليه، تنهار الحياة اليومية. وفي الوقت نفسه، هو جزء من الحياة اليومية، كعنصر من المستحيل فهمه فورا بكل أبعاده المرعبة. هذا التباين يحدد نغمة بقية الفيلم: مزيج من الحزن والخطر والفكاهة اللاإرادية التي تنبع من الانحطاط. يصل مارسيلو إلى ريسيفي بتعبير يبدو وكأنه يحتوي على عدة أرواح وعددا من الأسرار .إبنه فرناندو (إنزيو نونيس) يعيش مع جديه من جهة الأم بسبب الظروف الغامضة لعمل والده، وهذه المسافة العاطفية تتسرب إلى كل لقاء بينهما. الحوارات التي يشاركونها، قصيرة وربما غير متقنة، تحمل وزنا أكبر من أي مطاردة أخرى؛ بل تذكرون أن مارسيلو يخاطر ليس فقط بحياته، بل أيضا بإمكانية الاستمرار كأب حاضر في عالم يلتهم المشاعر من أجل الرسمية البحتة .
شخصيات معقدة ومؤلمة بشرية
في هذا النظام المضطرب حيث كل حركة لها قراءة ثانية، كل شخصية تظهر على الشاشة تبدو وكأنها تسحب قصة مظلمة مثل قصة مارسيلو. بداية إتصاله في ريسيفي هي دونا سيباستينا (تانيا ماريا)، امرأة عجوز صغيرة الحجم أصبحت قاسية بفعل الحياة، وتظهر دائما محاطة بدخان السجائر كما لو كانت تعيش داخل سحابة شكوكها الخاصة. حضورها طاغي ، تتحدث قليلا، تراقب كثيرا، وتعطي انطباعا بأنها تعرف أكثر مما تريد الاعتراف به ، قصة “تانيا ماريا “البالغة من العمر 78 عاما، التي تلعب دور ( دونا سيباستيانا) . ماريا البرازيلية عاشت حياة عادية حتى بلغت 72 عاما، عندما تم اختيارها ككومبارس في فيلم مندونسا فيليو لعام 2019( باكورو ) . منذ ذلك الحين، ظهرت في ستة أفلام أخرى، وأصبحت شخصية معروفة على المستوى الوطني. “دوناً سيباستيانا”، الشخصية التي لعبتها تانيا ماريا، هي امرأة قوية وحكيمة تؤوي الهاربين السياسيين، وتقدم لهم المساعدة والدعم. وقد أشار مورا إلى أنه كان “مذهولاً” بأصالة أداء” تانيا ماريا ” لاحقا ذكر المخرج ” كتبت دور دونيا سيباستينا خصيصا لها. الشخصية التي تمنح ملاذا للهاربين السياسيين بمن فيهم أرماندو “، تظهر وهي تمشي نحو الكاميرا بفستان مزخرف وسيجارة في يدها، يصبح الفيلم ملكا لها للحظة، “أصالتها تحمل شيئا من العديد من النساء اللواتي قابلتهن،” قال ميندونسا فيليو .تتوسع مجموعة الشخصيات الشريرة مع أغوستو (روني فيليلا)، قاتل مأجور مسن وغاضب، وبوبي (غابرييل ليوني)، شريكه الشاب الذي يبدو أكثر حماسا للدراما من العمل نفسه. علاقتهما تقترب من الأب، رغم أن أيا منهما لم يقولها بصوت عال. لاحقا، ينضم فيلمار (كايوني فينانشيو)، وهو مجرم يبدو أنه رسم بخطوط بارزة .سيتأخر في القصة، لكنه يصبح لا ينسى بسبب مظهره المتعب، وذكائه العملي، وحاجته الماسة للمال كل هؤلاء الأفراد يمشون تحت ظل سياسي وأخلاقي واحد، يحاولون البقاء على قيد الحياة في هيكل يستخدمهم ويتخلص منه متى شاء .
” العميل السري” يقلب فكرة استكشاف بلد مجروح، ويراهن على مواضيع أكثر دقة وإثارة للجدل، تروى بروح فكاهية ساخرة . هشاشة الحقيقة، والمقاومة الحميمة التي تتسرب حتى إلى أكثر الأرواح إنهاكا. بوتيرة هادئة لكنها مليئة بالتوتر، يرافق الجزء الأخير مارسيلو وهو يحاول أن يبقى على قيد الحياة في بيئة تتغذى على الصمت والخوف .يقدم الممثل مورا هنا أداءاً مصقولاً، مليئا بالانقطاعات الداخلية الصغيرة التي لا تكشف إلا عندما لا يستطيع الشخصية إخفاءها. كل حركة ينقلها تحول الشاشة إلى مبارزة صامتة بين ما لا يزال بإمكانه إنقاذه وما فقد بالفعل. تصبح حساسية المخرج واضحة بشكل خاص في هذه الدقائق الأخيرة، حيث يتعايش العنف والحنان دون أن يعترض طريق بعضهما البعض. الفيلم لا يطلب تفسيرات أو يقدم إجابات سهلة .يفضل دعوة المشاهد للاستسلام لأجوائه الخانقة، والسماح لنفسه بأن ينجرف مع رموزه وقبول مزيجه من السخرية المريرة، والدراما الحميمة، والهذيان السياسي . يعيش ” أرماندو” متخفيا وتحت اسم مستعار مارسيلو، ويقضي أرمندو أيامه في البحث في الأرشيفات عن أدلة عن ماضي والدته ويخطط للفرار من البلاد مع ابنه الصغير. بينما يستمر بحثه الصامت، تنفجر الشوارع في الخارج بضجيج الكرنفال، مهرجان متجذر في حياة البرازيل لدرجة أن حتى رئيس الشرطة يبدو مبعثرا من الاحتفالات، ولا تزال القصاصات الورقية عالقة في شعره . وفي النهاية يسقط مضرجاً بدمة في شوارع ( ريسيفي ) . ويختم الفيلم في الزمن الحاضر ، حين تعثر الشابة فلافيا على” فرناندو”، إبن مارسيلو الوحيد الذي يعمل طبيباً في مصرف للدم وتسلمه نسخة من تسجيلات توثق نضال والده. لكنه يطهر عدم حماسه في الاستماع إليها، ويخبرها أنّ والده الحقيقي هو جدّه الذي ربّاه . مدينة ريسيفي، في شمال شرق البرازيل، هي مسرحا للعنف. يقتل المثقفون والطلاب بتواطؤ السلطات والشرطة. المخرج “ميندونسا فيليو” من بين صانعي الأفلام الذين تولوا مهمة مواجهة الذاكرة الوطنية. قال: “الجيش هو صدمة لم يتم فحصها حقا.” “لا يمكنك فقط أن تقول: ‘تفضل، انس الأمر.’ تتكون قشرة فوقها. نفس الشيء يحدث لأمة بأكملها”.
بالنسبة للمخرج “كليبر ميندونسا فيليو “، هذه إحدى الأفكار التي تحيط بفيلمه الأخير، الذي تدور أحداثه في البرازيل عام 1977، ولكن في الوقت نفسه مع مشاهد تدور في الحاضر. هذه قصة يعيد عرضها في إستذكار الديكتاتورية العسكرية البرازيلية؛ ومع ذلك، فإن جوهره هو المقاومة والذاكرة. ”أعتقد أنه عندما تروي قصة وتدرك أنها ليست فقط عن هذه القصة، بل عن مرور الزمن، تصبح قوية. كما يدفعني التفكير فيما تبقى من شخص بعد حياته: كيف سيتذكر الشخص، وماذا فعل الناس لمحوه؟ هذه مواضيع عنيفة ومقلقة للغاية، وللأسف، لن تخرج أبدا من الذاكرة. عليك فقط أن تنظر إلى ما يحدث في العالم الآن “، يقول ميندونسا فيليو في مقابلة معه . وأضاف:”كانت لحظة في التاريخ عندما انقلب كل شيء رأسا على عقب. بعبارة أخرى، إذا قلت أي دليل مثل أن الماء مبلل، فأنت تصبح خصما”. في تصريحات سابقة، قال المخرج إن هذا سيكون “أول فيلم سياسي له”. وفي هذا الصدد، يضيف أن كل بناء الفترة الزمنية لديه بالفعل بطريقة معينة. “لا أفكر أبدا فيما إذا كان الفيلم الذي سأصنعه سيكون سياسيا. عادة ما يأتي ذلك لاحقا، مع رد فعل الجمهور. جميع أفلامي كانت لها ردود فعل سياسية: الأصوات المجاورة، الدلو، باكوراو، وأيضا صور الأشباح . وربما هذا هو الأكثر وضوحا في السياسية، لكنه لم يكن أول ما يقلقني عندما كتبت السيناريو “. يتضمن فيلم ” العميل السري ”أيضا على وجهات نظر أخرى، مثل طفولة المخرج وتلك التي تم تشكيلها من خلال مراجعة المواد الأرشيفية باستخدام صور المفقودين وضحايا الديكتاتورية. لكنه لا ينكر حتى أن هناك (في البداية، دون وعي) إشارة إلى الرئيس السابق جايير بولسونارو. قال مندونسا فيليو : “اليوم، أنا أكثر تفاؤلا بشأن البرازيل كديمقراطية.” “لأول مرة، نحن نحاسب الجيش — ونرسل إلى السجن رئيسا لم يفعل شيئا سوى إلحاق الضرر بالبلاد”.
في الختام : يتناول فيلم “العميل السري” حياة عالم وأستاذ جامعي تحول إلى هدف للديكتاتورية العسكرية البرازيلية في السبعينيات، مع تسليط الضوء على مخاطر الاستبداد . هذا الفيلم قصة عن الذاكرة الاجتماعية والديكتاتورية، حيث تنتقل القصة بين الماضي والمستقبل لاستكشاف الحاضر، من زوايا ووجهات نظر لمرحلة توصف بأنها أصعب اللحظات في تاريخ البرازيل، مع التركيز على رجل محاصر في موقف مستحيل، حيث حياته في خطر . نتابع حكاية رجلا تدمرت حياته بسبب موقف مبدئي في الماضي لم يترك أثرا عليه فحسب، بل أدى أيضا إلى اضطهاده واضطراره للفرار بحثا عن الحماية .
اخبار سورية الوطن 2_راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
