آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » العولمة الإرهابية الأميركية

العولمة الإرهابية الأميركية

 

سعد الله مزرعاني

 

لا يتميّز عام 2025 بأي خاصية مهمة عن العامين اللذين سبقاه، وتحديداً منذ السابع من أكتوبر عام 2023. هو يشكّل، ارتباطاً بعملية «طوفان الأقصى»، امتداداً لهما، لجهة الأزمات المستمرة والمتفاقمة. الصراع مفتوح. وهو سيستمر كذلك لفترة طويلة. السبب يكمن في أن القوى ذات السطوة والأرجحية والغلبة الآن، ماضية في اندفاعتها، عبر الوسائل إيّاها، لتحقيق «نصر حاسم»، كما يردّد ويلحّ رئيس حكومة الكيان الصهيوني، ويكرّر، وبالدرجة نفسها أيضاً، الرئيس الأميركي.

 

مضمون هذا المدخل، مهم ومصيري بالنسبة إلى لبنان وإلى شعوب المنطقة العربية والشرق أوسطية. ثم لأنه يقع في نطاق مسار أوسع وأخطر يشمل العالم بأسره! تكاملت هياكل هذا المسار، خصوصاً في أواخر وأوائل العامين المنصرم والجديد. هذا المسار أميركي بامتياز، وترامبي بالتحديد! نهج ترامب هو، في الجوهر، ثمرة تحولات نوعية في التوازنات الدولية خلال العقدين الأخيرين خصوصاً: في حقول الإنتاج والتصنيع وبراءات الاختراع والتصدير وفوائض رؤوس المال والاستحواذ على الأسواق. نجم عن ذلك اختلال متعدّد الميادين والفروع، ما جعل المنافسة تصبّ، بشكل مضطرد، لمصلحة الاقتصادات الصاعدة وأهمها الاقتصاد الصيني.

 

هذا الاقتصاد يتّجه بقوة دفع متفوقة ليحتل الصدارة في شروط منافسة وضع قواعدها وشروطها وصاغ مؤسساتها المتنوعة الفريق المحتكر السابق بقيادة النظام الرأسمالي الأميركي. وليس خافياً على السلطات والاحتكارات الأميركية، قبل سواها، أن الاقتصاد الأميركي المثقل بالديون الفلكية، والمتسم بوتيرة مقلقة من التراجع في المنافسة الاقتصادية، مهدّد بإفلاس صاعق وعاجل ما لم يجرِ تدارك الأمر بشكل سريع وبوسائل غير تقليدية.

 

تبلورت أُولى المحاولات عام 2002 عبر «استراتيجية الأمن القومي الأميركي» الصادرة في عهد الرئيس بوش الابن وفريقه من «المحافظين الجدد»: وضع «قوة أميركا في خدمة اقتصادها». أمّا الوسائل، فكان من بين أبرزها الغزو عبر «الحروب الوقائية والاستباقية». الضحايا، كان أولاها «الشرق الأوسط الجديد»: غزو واحتلال أفغانستان والعراق، وتهديد سوريا، والعدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006. أمّا الغاية، فالثروة الهائلة من الطاقة، والمزيد من تسخيرها لخدمة الكارتيلات والاقتصاد الأميركيين، ولتمكين الكيان الصهيوني.

وُووجه المشروع بمقاومة سياسية وعسكرية غير متوقّعة. تراجع أصحابه وخسروا السلطة. كان على الرئيس الجديد، باراك أوباما (2008-2016)، و«الدولة العميقة» في واشنطن، تدارك خسائر وخيبات الغزو. تم إطلاق «داعش» في مرحلة، و«الربيع العربي» في مرحلة متصلة؛ وفق تكامل بالأهداف وتنوّع بالأساليب.

 

مع انتخاب ترامب رئيساً عام 2016 بدأت نسخة جديدة من مشروع تسخير «قوة أميركا في خدمة اقتصادها» المتراجع بسبب المنافسة. عود على بدء: «صفقة القرن» الترامبية الشرق أوسطية، وتبنّي كل المطالب الإسرائيلية في فلسطين، وضم الجولان السوري المحتل. الاتفاقيات «الإبراهيمية» التطبيعية مع دول خليجية. تجاوز «الإشكال» مع القيادة السعودية. الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. سلسلة توجهات وسياسات ومواقف جديدة ومختلفة حيال العلاقات والاتفاقات والمعاهدات والالتزامات والمؤسسات الدولية في معظم الحقول بما فيها التجارية.

 

بيد أن ترامب لم يتمكّن من تجديد ولايته عام 2021. فعل ذلك عام 2025 بزخم استثنائي. رفع شعار «أميركا القوية أولاً ومجدداً». تبلورت تباعاً وسريعاً أعمدة وهياكل مشروعه الذي مهّد له في ولايته الأولى:

 

سلطة رئاسية «طاغية» ومتجاهِلة ومهمّشة للمؤسسات الدستورية، رغم أنه يمتلك الأكثرية في معظمها. الافتتان بمفردات العظمة والتميّز والاقتدار والسعي إلى الألقاب الكبيرة، الرائجة أو المستحدثة. يعزّز ذلك فريق من المساعدين والمصفقين وأفراد العائلة وأصحاب الثروات الكبرى من صفوة الأصدقاء، إلى طامحين من بقايا «المحافظين الجدد» ممن سبقوه إلى التأسيس. استسهال إطلاق المواقف والمعادلات بما ينتقص من كفاءة خصومه وجدارتهم في مقابل قدرته الفائقة على فض الأزمات وفرض الإرادة، المبالغة بوعود الرخاء والوفرة، والانحياز الكامل لمصلحة الأثرياء على حساب الطبقات الشعبية والمتوسطة.

 

تغذية عنصرية مقيتة حيال شعوب وجماعات بأكملها. تشجيع ودعم تيارات متطرفة وفاشية بهدف إضفاء طابع عالمي على سياساته وتياره ونهجه. تهميش أوروبا، وتمنينها، وتعميق أزماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية في مسائل الأمن والضرائب والتوازنات. احتقار مؤسسات الشرعية الدولية وتقليص أو قطع المساعدات عنها وتهديد مسؤولين فيها خصوصاً إذا أدانوا الممارسات الإجرامية الإسرائلية المدعومة دائماً من واشنطن. بالموازاة، المثابرة على فرض الإرادة والسياسات الأميركية شرعية بديلة: بقوة النفوذ والضغوط والعقوبات والمؤمرات والتدخل العسكري.

 

في مجرى كل ذلك، السعي بكل الأساليب، «الناعمة» والخشنة، إلى ابتزاز مئات المليارات من الأنظمة والحكام بعد التلويح برفع الحماية وتقويض السلطات وتهديد الاستقرار، وحتى تهديد السلم العالمي. اختلاق ذرائع وادعاء «حقوق» ومصالح حصرية واحتكارية لواشنطن، في كل بلدان أميركا اللاتينية (استعادة نظرية الرئيس مونرو وتطعيمها وتقاسمها مع ترامب). إعلان الرغبة في ضم بلدان أخرى (حتى ولو حليفة أو بإدارة حلفاء) ككندا وغرينلاند وبنما. تحريك الأساطيل والقوات المتنوعة لحصار بلدان ولإسقاط أنظمة ورؤساء (كما في فنزويلا) وتهديد أخرى: في انتهاك فظ لسيادتها واستهداف وقح لثرواتها وحقوق شعوبها. المجاهرة باستهداف واستفزاز الصين وروسيا، واعتبار الأولى الخطر الأكبر على واشنطن وبالتالي العدو الأول لها.

 

كرّست ولخّصت «استراتيجية الأمن القومي» الصادرة عن إدارة ترامب في 4 كانون الأول الماضي، ما تقدّم ذكره وسواه، من الأهداف والتوجّهات والأساليب. نقع، في النص والممارسة والسياسات، و«دردشات» ترامب مع الإعلاميين (!)، على نسخة شبه متكاملة، من «نظرية مونرو»، والمحافظين الجدد، وإضافات ترامب نفسه، لمعالجة أزمة تراجع هيمنة احتكارات بلاده على العالم، ومشكلة تفوّق نظام منافس، موجّه واشتراكي نسبياً، على النظام الرأسمالي الإمبريالي الأميركي. هو يسقط مبادئ «السوق»، وحرية التجارة والحدود المفتوحة والمنافسة، ويشتقّ نظام عولمة جديداً، يقوم على عبقريته وقدراته الخارقتين، ويعتمد أساساً على «أقوى جيش في العالم» لنهب واقتطاع وسلب ما يريد للبقاء على قمة العالم: بالقوة والبلطجة والإرهاب.

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خلط بين السيطرة والسيادة 

    أنس جودة   لم يكن التهجير في سوريا نتيجة هزائم عسكرية ولا فائض عنف محلي، بل كان منذ بدايته أداة إدارة إقليمية للصراع. ...