بقلم علي نفنوف
تُعدّ الفنانة فيفيان الصايغ من الأصوات التشكيلية اللافتة في المشهد الفني المعاصر، إذ بنت تجربتها على مقاربة إنسانية تجعل من اللوحة مساحة للبوح والسرد البصري. وُلدت في سوريا، وتخرّجت من معهد أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية – قسم التصوير عام 2001، حيث تشكّلت بداياتها التقنية ورؤيتها التعبيرية التي سترافق أعمالها لاحقًا بوصفها موقفًا فكريًا قبل أن تكون أسلوبًا تشكيليًا. منذ انطلاقتها، اتخذت من الإنسان مركزًا لتجربتها، ومن الحكاية اليومية مادّة أولى تُصاغ باللون والخط والملمس.
على امتداد مسيرتها، شاركت الصايغ في معارض جماعية وفردية داخل سوريا وخارجها، ما أتاح لتجربتها أن تتقاطع مع جمهور متنوّع وسياقات ثقافية مختلفة. من أبرز مشاركاتها المعرض الجماعي “المرأة تاريخ وحضارة” في دمشق، ومعرض تحية لجبران عام 2018، ومشاركتها في معرض حروف وامرأة من ضياء في لبنان عام 2017، إضافة إلى معرض ثنائي في باريس عام 2007. كما أقامت معارض فردية عدّة، منها صدى في مشتى الحلو عام 2016، وتركواز في دمشق عام 2020، وحكايا في دمشق عام 2021، إلى جانب معرضها في غاليري بلو هاوس بدمشق الذي قدّمت فيه مجموعة واسعة من أعمالها الكبيرة، مؤكدة غزارة إنتاجها واتساع سردياتها البصرية.
يتجلّى أسلوب فيفيان الصايغ في ريشة ناعمة تمتلك قدرة عالية على تطويع الخط واللون لصالح التعبير النفسي والسرد الإنساني. هذه الريشة لا تبحث عن الصدمة البصرية بقدر ما تبني حالة شعورية تتسلّل بهدوء إلى وعي المتلقي، فتقوده من طبقة إلى أخرى داخل اللوحة. أعمالها ليست مشاهد منفصلة، بل قصص متتابعة وحكايا تعبيرية متنوّعة، تتغيّر أجواؤها من عمل إلى آخر من دون أن تفقد خيطها الإنساني المشترك. في كل لوحة ثمة سرد بصري يُستعاد بطرق مختلفة عبر تكرار الشخصية في أوضاع متباينة، واختلاف الإضاءة والخلفيات، وتحول المشاعر بين السكون والتوتّر.
تستخدم الصايغ اللون بوصفه قوة دلالية لا زينة شكلية؛ فاللون عندها لغة قائمة بذاتها، يحمل الفكرة قبل الخط، ويقود الإحساس قبل التكوين. تختار نغماتها بعناية لتؤسّس مزاج اللوحة وتوجّه قراءة المتلقي: ألوان دافئة تُصرّح بالحميمية والذاكرة، وتباينات حادّة تكشف توتّر اللحظة وانكساراتها، ولمسات مضيئة تفتح نافذة للأمل داخل المشهد. هكذا يتحوّل اللون إلى وسيلة بوح تختصر المسافة بين التجربة الداخلية للفنانة والتجربة الشعورية للمتلقي، ويغدو عنصرا سرديا يقود الحكاية بدل أن يزيّنها.
تقوم البنية التعبيرية في أعمال الصايغ على اقتصاد مدروس في التفاصيل مع تركيز على الإيماءة وحركة الخط الخافتة، بما يمنح اللوحة إيقاعا سرديا لا ينغلق على معنى واحد. هذه التعدّدية في القراءة تجعل العمل قابلا لإعادة الاكتشاف في كل مشاهدة؛ فالحكاية لا تُقال دفعة واحدة، بل تُروى على طبقات، ويظل معناها مفتوحا على تأويلات إنسانية متجدّدة. لذلك تبدو لوحاتها كفصول من رواية بصرية مستمرة، تتقدّم بلا خاتمة نهائية، وتدع للقارئ البصري أن يكتب نهايته الخاصة.
في محصلة التجربة، تقدّم فيفيان الصايغ فنا يوازن بين الحميمي والكوني، بين الخاص والعام، ويعيد للوحة دورها بوصفها مساحة تفكير وتأمّل وحكاية إنسانية مفتوحة. أعمالها لا تقف عند حدود المتعة البصرية، بل تقترح قراءة للإنسان في لحظاته الهشّة والقوية معا، وتمنح اللون وظيفة أخلاقية وجمالية في آن واحد: أن يقول الحقيقة بطريقته الخاصة، وأن يترك باب الحكاية مفتوحًا على الدوام.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
