رشا فرج
يسجّل المشهد الفني السوري انكفاءً لافتاً عن التفاعل مع الحروب الراهنة، حيث يحلّ الصمت مكان الموقف، وتتراجع لغة التضامن أمام الضغوط والاستقطاب. بين استثناءات فردية وخوف جماعي، يكشف هذا الواقع تحوّلاً عميقاً في علاقة الفن بالقضايا العامة ودوره في لحظات الأزمات الكبرى
من الظواهر اللافتة التي رافقت الحرب على غزة ثم حرب الـ66 يوماً على لبنان، حالة الصمت التي خيّمت على أوساط واسعة من الفنانين العرب، ولا سيما السوريين. حتى التعبير عن تعاطف إنساني بسيط بدا نادراً، فيما ظهر المشهد الفني شبه مشلول، مع غياب مواقف واضحة من العاملين في هذا المجال تجاه ما تعيشه شعوب البلدين، ناهيك بالتضامن مع مقاومتهما.
في مراحل سابقة من تاريخ المنطقة، كانت الحروب الكبرى تترافق مع حالة فنية موازية لا تقل حضوراً عن العمل السياسي أو الميداني. أما اليوم، فقد أصبح الحصول على بيان تضامن من فنان حدثاً استثنائياً، يكشف حجم الضغوط والانفصال عن القضايا العامة الذي يعيشه الفنانون في زمننا.
تصوير في بيروت والعيون مغمضة
يبدو أنّ النجاح الكبير الذي حقّقه مسلسل «مولانا» جعل فريق العمل أقل انتباهاً إلى الحرب الجديدة التي يخوضها لبنان في مواجهة العدوان الإسرائيلي. رغم تزامن الأيام الأخيرة من تصوير العمل مع الحرب، لم يُسجَّل أي تصريح أو تدوينة للفنانين المشاركين فيه للتعبير عن التضامن مع لبنان أو حتى لتمنّي السلام لأهله، كما جرت عادة أهل الفن في مثل هذه الظروف.
اللافت كان ما نشره الفنان السوري تيم حسن عن شهداء سقطوا خلال الحرب الجارية، إذ اكتفى بالنعي من دون الإشارة إلى العدوان الإسرائيلي. فقد نعى حسن الشهيد محمد شهاب من دون أن يذكر من قتله أو كيف استُشهد، مكتفياً بالعبارات نفسها التي يستخدمها عادةً في بيانات النعي.
وقبل ذلك، استُشهد الفنان محمد علي فحص خلال غارة إسرائيلية على بلدة جبشيت. وكان فحص معروفاً بعمله في تدريب الممثلين وتنفيذ المشاهد القتالية في عدد من الأعمال الدرامية، من بينها «مولانا» أيضاً. يومها، اكتفى حسن بتغريدة مقتضبة لنعيه، من دون التطرّق إلى ظروف استشهاده أو الجهة المسؤولة عنه.
رامي كوسا… «مارادونا» الدراما السورية
في مقابل هذا الصمت، اختار الكاتب الدرامي السوري رامي كوسا موقفاً مختلفاً. خلال الحرب، لم يكتفِ بالتعبير عن رفضه للعدوان الإسرائيلي والأميركي على إيران ثم لبنان، بل حرص على التعليق باستمرار على مشاهد مرتبطة بالحرب وإدانتها.
ومن أبرز مواقفه انتقاده ظهور نجم كرة القدم الأرجنتيني ليونيل ميسي إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت كان الأخير يتحدث فيه عن الحرب الأميركية على إيران، بينما بدا ميسي ضاحكاً، «كحمار البيت الأبيض» على حد وصف كوسا.
واستحضر الكاتب السوري في تعليقه مواقف أسطورة كرة القدم الراحل دييغو مارادونا، مذكّراً بمواجهته العلنية للهيمنة الغربية ورفضه المتكرر لدعوات أميركية، فضلاً عن وقوفه إلى جانب شعوب أميركا اللاتينية في معاركها التحررية ضد ما وصفه بسطوة «الرجل الأبيض» في الولايات المتحدة.
سلاف فواخرجي في وجه المدفع
في المقابل، شهد تفاعل بعض الفنانين تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالحروب السابقة. فالممثلة شكران مرتجى، التي قدّمت دعماً واضحاً للبنان وفلسطين خلال الحرب الماضية، اكتفت هذه المرة بتفاعل محدود عبر حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي، مفضّلة التعبير عن رأيها أو نقل آراء ضيوفها حول الحرب ضمن برنامجها «أو لا لا» على قناة LTV.
ويُعزى هذا التراجع إلى الحملة الواسعة التي تعرّضت لها الفنانة ذات الأصول الفلسطينية، وقد وصلت إلى حد المطالبة بسحب الجنسية السورية منها من قبل مؤيدي الحكم الجديد في سوريا.
وصف رامي كوسا ليونيل ميسي بـ «حمار البيت الأبيض»
في المقابل، لم تتأخر النجمة السورية سلاف فواخرجي في إعلان موقفها. فقد عبّرت عبر حسابها على فايسبوك عن تضامنها مع المقاومة في لبنان، ومع حق إيران في الدفاع عن نفسها في مواجهة العدوان الأميركي ــ الإسرائيلي. كما حرصت على حضور مهرجان سينمائي في إيران عُرض خلاله فيلمها الأول الذي يتناول حرب غزة، في وقت كانت فيه الجمهورية الإسلامية تتعرض لتهديدات متزايدة بشن حرب عليها.
هل يسكت الشامي بعد «نارين بيوتي»؟
على مستوى المشاهير الشباب في سوريا، أشاد كثير من المتابعين بالموقف الإنساني للفنان الشامي بعد تعبيره عن تضامنه مع النازحين من جنوب لبنان، رغم تعرّضه لحملة كبيرة شبيهة بتلك التي طالت شكران مرتجى. الشامي، الذي سبق أن عاش تجربة النزوح واللجوء، واصل الدفاع عن النازحين ومعاناتهم، قائلاً: «اللي عملته تجاه إخوتنا النازحين من الجنوب واجب، وهاد شرف إلي».
في السياق نفسه، تعرّضت صانعة المحتوى السورية من أصول كردية نارين بيوتي لحملة واسعة بعد نشرها «ستوري» عبّرت فيها عن تضامنها مع ضاحية بيروت الجنوبية «بمن فيها، بكل ما فيها»، في مواجهة العدوان الإسرائيلي الذي تتعرض له. وهو ما دفع الإعلامية نضال الأحمدية إلى الدفاع عنها. لكن حسابات نارين اليوم تبدو خالية من أي تعليق سياسي، إذ يتركز محتواها على مشاركتها في موسم رمضان 2026 من خلال ظهورها في أحد الأعمال المصرية.
الصمت بدأ مع مجازر الساحل
السكوت في المشهد الفني السوري ليس طارئاً. يمكن فهمه في سياق الاستقطاب الحاد الذي تشهده الساحة السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد، وحملات التخوين والتشهير التي تقودها حسابات وهمية ضد أسماء بعينها لمجرد انتقادها أداء السلطات السورية الجديدة.
وقد ألقى ذلك بظلاله على تفاعل العاملين في المجال العام مع المجازر التي ارتُكبت في الساحل السوري والسويداء، حيث آثر معظمهم الصمت. أما من عبّر عن رأيه حينها، فعاد ليتراجع تحت ضغط الهجوم. وفي هذا السياق، شاءت المفارقة أن تتزامن الحرب الحالية مع ذكرى مجازر الساحل السوري. ذكرى قوبلت بصمت مشابه من الفنانين السوريين، باستثناء قلة قليلة، مثل سلاف فواخرجي ورنا الأبيض.
من زمن الصرخة إلى زمن الصمت
إبان الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، انقسمت مواقف الفنانين والمثقفين بين من اختار مواصلة الصرخة في وجه الحرب، وبين من أعلن أنّ ثقافة النفط والرجعية واليمين قد انتصرت، فيما رأت فئة ثالثة أنّ الصمت هو الموقف الوحيد الممكن في تلك «الجنازة»، إذ لا جدوى من الكتابة بعد دمار لا يماثله دمار. أما في هذه الحرب، فيبدو أننا أمام ظاهرة مختلفة: جمهرة من الصمت أمام الحرب فحسب.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
