آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الفنان التشكيلي أحمد خليل الراحل الذي لم يرحل:لايرسم اللوحة فحسب بل يرسم حوله مناخاً من الحرية ويترك في القلب ضجيجاً جميلاً لا يهدأ..وترك إرثاً فنياً غنياً

الفنان التشكيلي أحمد خليل الراحل الذي لم يرحل:لايرسم اللوحة فحسب بل يرسم حوله مناخاً من الحرية ويترك في القلب ضجيجاً جميلاً لا يهدأ..وترك إرثاً فنياً غنياً

 

بقلم: علي نفنوف

 

الفنان التشكيلي السوري أحمد خليل لم يكن اسما عابرا في ذاكرتي بل كان شغبا يمشي على قدمين وفوضى جميلة تعرف طريقها الى الضوء

كان معجبا بمشاغبتي وكنت مأخوذا بفوضاه وكأننا اتفقنا دون ان نعلن ان نقلق سكون المدينة كلما التقينا لم تكن لقاءاتنا مرتبة ولا خاضعة لقواعد اللياقة الباردة كانت عبثية صاخبة وممتلئة بمحبة صافية لا تعرف التصنع

في مرسمه ذلك المكان الذي كان عنوانا للابتسامة والمزاج الرائق كنا نجلس لنشرب من خمر الالوان ونرسم بقوارير العطر لوحات مشاغبة تشبهنا كانت الجدران تصغي الى ضحكاتنا وكانت الفوضى بيننا نوعا من النظام الخفي الذي لا يفهمه الا من امن بان الفن ليس تهذيبا زائدا بل حياة تعاش حتى اقصاها

هكذا عرفته وهكذا بقي في ذاكرتي فنانا لايرسم اللوحة فحسب بل يرسم حوله مناخا من الحرية ويترك في القلب ضجيجا جميلا لا يهدأ

 

ولد أحمد خليل عام 1954 في مدينة الدريكيش بمحافظة طرطوس واختار ان يكون فنانا تشكيليا ومختصا في الديكور فجمع بين الحس الجمالي والخبرة التطبيقية التي أتاحت لأعماله ان تحضر في الفضاء العام وان تتداخل مع المشهد المعماري والبيئي وكان عضوا في اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين وعضوا في جمعية الرسامين في ليبيا وهو ما يعكس اتساع حضوره خارج الإطار المحلي كما أدار مركز أحمد خليل للفنون التشكيلية الذي اهتم بتعليم الأطفال والموهوبين مما يجعل تجربته جزءا من مشروع ثقافي تربوي طويل الأمد لا يقتصر على الإنتاج الفني الفردي

 

تميز أحمد خليل بخط فني يرفض الالتزام بمدرسة فنية واحدة مثل السريالية او الانطباعية لاعتقاده ان التقيد بمدرسة محددة يحد من الفكر الإبداعي ويقود الى التكرار وقد انعكس هذا الموقف الفكري على طبيعة أعماله التي ظلت منفتحة على التجريب والتنوع الأسلوبي وتبدل الأدوات والأساليب بحسب الموضوع والتجربة الذاتية اما موضوعاته فقد تمحورت حول الطبيعة والوجوه والتوثيق البصري للبيئة السورية حيث حضرت الطبيعة بوصفها فضاء وجدانيا وذاكرة مكانية فيما شكل البورتريه محاولة لالتقاط البعد الإنساني خلف الملامح وكان التوثيق البصري للبيئة السورية جزءا من وعيه بدور الفن في حفظ الذاكرة الجماعية

 

أقام اكثر من ثلاثين معرضا فرديا وشارك في خمسين معرضا جماعيا داخل سوريا وخارجها كما ترك أعمالا ميدانية كبرى في الفضاء العام من بينها النصب التذكاري في مدينة الدريكيش وبانوراما جسر السلام على شاطئ طرطوس بالتعاون مع منظمة ال UNDP وعمل نحتي من الرخام بارتفاع اثني عشر مترا عند عقدة بانياس طرطوس القدموس وهي أعمال أسهمت في تكريس حضور الفن في المجال العام وربط العمل التشكيلي بالفضاء الاجتماعي اليومي

 

كان آخر معارضه بعنوان تراتيل الفراش وهو معرض استثنائي أنجز لوحاته خلال فترات تعافيه القصيرة أثناء رحلة علاجه حيث صورت اللوحات ذاكرة الألم والمرض والاستلقاء الطويل الى جانب الحنين الى الطبيعة التي حرم منها خلال مرضه وقد تحولت التجربة الجسدية القاسية الى مادة بصرية وتأملية جعلت من الفن شكلا من أشكال المقاومة الوجودية ومن تحويل المعاناة الى خطاب جمالي يعيد الاعتبار لقيمة التجربة الإنسانية في لحظات الهشاشة

 

كرم من قبل اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا عام 2005 وحاز على خمس عشرة درعا وميدالية وعددا من شهادات التقدير المحلية والدولية وهو ما يعكس اعترافا مؤسسيا بتجربته الفنية ودوره الثقافي والتربوي في المشهد التشكيلي السوري والعربي ويمكن النظر الى مسيرته بوصفها نموذجا لفنان جمع بين الحرية الأسلوبية والانتماء للمكان وبين الإنتاج الإبداعي والدور الاجتماعي حيث أسهم في ترسيخ علاقة الفن بالمدينة والناس والذاكرة المحلية وترك إرثا بصريا وإنسانيا قابلا للقراءة والتأويل والاستفادة في سياق البحث الثقافي والفني المعاصر

 

ذكرى وذكريات

ذكرياتي معه كانت طويلة ممدودة كخط لا يريد أن ينتهي

أهمها كان في مرسمه حيث كانت الفوضى طقسا يوميا والضحكة موقفا واللون بيانا مفتوحا لكن هناك لحظات ثابتة لا يمكن للذاكرة ان تتجاوزها

أذكر جيدا أيام الانتخابات في فندق الشام خلال المؤتمر العام لـ اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين كيف التففنا حول أحمد خليل كما يلتف اللون حول فكرته وكيف كان حضوره يملأ المكان ثقة وصخبا حتى فاز لم يكن فوزا عاديا بل كان انتصارا لروحه المشاغبة التي تعرف كيف تقنع دون ان تتنازل عن حدتها

 

وأذكر لقاءنا الموسع في جونادا حين أجرت الإعلامية ميس محمد حوارا معنا كنا نتكلم كما نرسم بعفوية دون أقنعة وكأن الكاميرا صديق قديم لا جهاز تسجيل

ولا أنسى برامجه مع الإعلامية المتألقة أجفان قبلان ولا سيما برنامجه التشكيلي خريف ملون حيث كان يحول الحوار الى مساحة لون ويجعل من الشاشة مرسما آخر يتنفس فيه الفن بعيدا عن الرتابة

هكذا كانت علاقتنا مواقف ضجيج انتصارات صغيرة وذكريات أكبر من ان تختصر كان أحمد خليل يعيش الفن كما يعاش الحب بلا حسابات وبقلب مفتوح على الدهشة

 

توفي الفنان التشكيلي السوري أحمد خليل في صباح الثلاثاء 7 سبتمبر 2021 عن عمر ناهز 67 عاما بعد صراع طويل مع مرض عضال ويعد من ابرز الوجوه الفنية في محافظة طرطوس حيث ترك إرثا فنيا غنيا يجمع بين النحت والتصوير الزيتي وقد شكل رحيله خسارة للمشهد الثقافي السوري لما يمثله من تجربة فنية متفردة ارتبطت بالمكان والإنسان والبيئة البصرية المحلية وكان حضوره جزءا من ذاكرة المدينة البصرية ومن المشهد الثقافي اليومي فيها

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عادل نصره الجبل حين يغني : حالة طربية جبلية وشاهد على قدرة الغناء الشعبي على ان يكون جسرا بين الناس وامكنتهم 

    بقلم: علي نفنوف   ليس كل صوت يولد ليعلو فقط بعض الاصوات تولد لتبقى في الذاكرة لانها تقول شيئا يشبه الناس ويشبه حكاياتهم ...