بقلم: علي نفنوف-دبي
الجذور السورية و الهوية الروحية
في هذا المشرق الروحي تستحضرني دائما سرديات تتعلق بسيرة القديس شربل مخلوف بوصفه شخصية تتجاوز حدود الجغرافيا وتتشكل في تقاطع التاريخ الشعبي مع الذاكرة الدينية حيث تروى حكايات عن جذور لعائلته تمتد الى قرية الصايد في حمص وان آل مخلوف المنتشرين في سوريا اليوم يحملون صلة قربى بعيدة به وهي رواية لا تثبتها المصادر الكنسية الصارمة لكنها تظل ممكنة في سياق القرن التاسع عشر حين كانت بلاد الشام فضاء واحدا تحت الحكم العثماني وكانت الهجرة بين حمص وجبل لبنان امرا مألوفا بفعل الضرائب والسخرة والتوترات الطائفية فتنتقل العائلات وتعيد تشكيل انسابها وتستقر في القرى الجبلية حيث ولد يوسف انطون مخلوف سنة 1828 في بقاعكفرا بشمال لبنان ونشأ في بيئة فقيرة متدينة تشربت الصمت والصلاة منذ الطفولة وكان يميل الى العزلة ويرعى الغنم ويختلي في مغارة صغيرة في محيط القرية كأن بذرة النسك قد زرعت فيه مبكرا قبل ان يختار طريق الرهبنة ويغادر بيته سنة 1851 متوجها الى الحياة الرهبانية في دير ميفوق حيث بدأ تخرجه في الطهارة والقداسة عبر نظام صارم من الطاعة والصمت والعمل اليدوي والصلاة المتواصلة ثم انتقل الى دير مار مارون في عنايا واكمل دراسته اللاهوتية الى ان سمي كاهنا سنة 1859 وهناك اخذ اسم شربل استلهاما من قديس انطاكي في اشارة رمزية الى الامتداد السوري الانطاكي للروحانية المارونية وكأن الاسم ذاته يختزن عبورا من الجغرافيا الى عمق الذات
****
من القداسة إلى الاعتراف الكنسي:
ومع مرور الزمن لم تعد الرهبنة عنده مجرد انتماء بل تحولت الى تجربة وجودية قاسية حيث اختار سنة 1875 ان يعيش ناسكا في محبسة تابعة لدير مار مارون في عنايا فابتعد عن الجماعة البشرية ليقترب من المطلق وقضى هناك ثلاثة وعشرين عاما في صلاة وصمت وزهد حتى وفاته في الرابع والعشرين من كانون الاول سنة 1898 وهي الليلة التي ستتحول لاحقا الى نقطة مفصلية في تشكل حضوره الروحي حيث بدأت الروايات تنتشر عن نور يخرج من قبره وعن جسد لم يتحلل وعن سائل ظل يرشح منه لسنوات طويلة فصار قبره موقعا للحج والرجاء وقد دفن القديس شربل بداية في مقبرة دير مار مارون في عنايا الواقعة في منطقة جبيل في لبنان ثم نقل جسده لاحقا الى مزار خاص داخل الدير نفسه حيث يعرف اليوم باسم ضريح القديس شربل في عنايا وهو المكان الذي لا يزال حتى اليوم مقصدا للزوار من مختلف انحاء العالم حيث تتكثف عنده الحكايات الشعبية عن الشفاء والمعجزات وتتشابك الروايات عن ظهوره في الاحلام ولمسه للمرضى واستجابات الشفاعة التي ينسبها المؤمنون اليه في حالات مرضية مستعصية
اما من الناحية الكنسية فقد بدأت مسيرته نحو الاعتراف الرسمي بعد عقود من وفاته اذ اعلنت طوباويته سنة 1965 على يد بولس السادس ثم اعلن قديسا بشكل رسمي سنة 1977 بعد تثبيت معجزات نسبت الى شفاعته وهنا تظهر الطوباوية كمرحلة انتقالية بين القداسة الشعبية والاعتراف المؤسسي حيث تدرس الكنيسة سيرة الشخص وحياته النسكية ومعجزاته قبل ان تدرجه ضمن القديسين غير ان حالة القديس شربل تكشف ان حضوره في وجدان الناس سبق الاعتراف الرسمي بسنوات طويلة بل ان القرار الكنسي جاء ليكرس واقعا روحيا كان قد ترسخ بالفعل وفي هذا التداخل بين التاريخ والرواية الشعبية تتجلى شخصية القديس شربل بوصفها بنية رمزية مركبة فهو من جهة ابن قرية جبلية ولد سنة 1828 وعاش تحولات القرن التاسع عشر تحت الحكم العثماني ومن جهة اخرى يحمل في اسمه وامتداد عائلته المحتمل صدى الجغرافيا السورية الانطاكية ومن جهة ثالثة يتحول بعد وفاته سنة 1898 الى حضور شفاعي عالمي يستمر حتى بعد اعلان قداسته سنة 1977 ليصبح رمزا للشفاء والرجاء تتجاوز قصصه حدود الطوائف والبلدان
*****
تجربة شخصية في حضرة القديس شربل:
وانا شخصيا اشعر برهبة عميقة وخشوع صادق امام عظمة هذا القديس حتى يكاد الاحساس يتجاوز حدود التأمل الى حالة حضور داخلي كثيف كأنني اقف امام احد اولياء الله الاطهار حيث يتسلل هذا الشعور دون استئذان ويستقر في داخلي بوصفه يقينا لا يحتاج الى برهان وقد يكون لهذا الاحساس تفسير نفسي عميق او جذور وجدانية بعيدة لكنني لا استطيع انكار صدقه ولا تأثيره فيّ اذ اشعر ان كل ما يقال عن شفاعته وحضوره الروحي ليس مجرد روايات متداولة بل تجربة شعورية حية تتجدد في داخلي ومع هذا الانجذاب الروحي وجدت نفسي مدفوعا الى تخليد هذه الحالة عبر الفن فكانت اللوحة بالنسبة لي ليست مجرد عمل تشكيلي بل فعل ايمان وترجمة بصرية للخشوع والمحبة وقد رسمت القديس شربل اكثر من مرة وفي مناسبات مختلفة كأنني اعود في كل مرة لاكتشاف وجه جديد من حضوره وفي اللوحة المرافقة لهذا المقال والتي انجزتها بين عامي 2024 و2025 حاولت ان اقبض على لحظة الصمت النوراني التي اشعر بها تجاهه فجاءت كتعبير صادق عن تجربة شخصية تتجاوز الرسم الى ما يشبه الصلاة الصامتة المرسومة بالالوان
المصادر والمراجع :
يستند هذا المقال إلى مجموعة من المصادر الكنسية والتاريخية المعتمدة من أبرزها كتاب Saint Charbel Makhlouf His Life and Miracles للأب بطرس ضو ووثائق الفاتيكان المتعلقة بإعلان الطوباوية سنة 1965 والقداسة سنة 1977 إضافة إلى سجلات دير مار مارون عنايا حول المعجزات كما تم الاستناد إلى مراجع تاريخية مثل A History of the Arab Peoples لالبرت حوراني وThe Modern Middle East لويليام كليفلاند لفهم السياق العثماني والهجرات في بلاد الشام
وبعض القصص التي تقع ضمن الذاكرة الشعبية ولا تستند إلى توثيق تاريخي قاطع

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
