باسل العريضي
تحت شعار “ضمان توفير خدمات المياه والصرف الصحي الآمنة واستدامتها”، انعقدت القمة 39 للاتحاد الأفريقي في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا.
على مدى يومين ناقش القادة تحديات القارة، لكنّ هذه التحديات يبدو أنها في كل عام تزداد صعوبة. وللمفارقة أن الدولة التي استضافت القمة هي نفسها تعيش أزمات متناسلة مع محيطها الإقليمي. بداية من شعار القمة حيال المياه، فإن علاقتها مع مصر توترت على خلفية بناء سدّ النهضة. كذلك مطالبتها بالوصول إلى مياه البحر الأحمر لفكّ عنها صفة “دولة حبيسة” جعلها حبيسة حسابات جيوسياسية تخطت القرن الأفريقي.
ولحصر الأمر في منطقة القرن الأفريقي، حيث عقدت القمة، فقد جدد قادة القارة الالتزام الكامل بسيادة الصومال ووحدة أراضيها، مع الرفض القاطع لأي تدخلات خارجية تهدف لتقسيمه. ما يعني رفض الاعتراف بـ”أرض الصومال”، الأمر الذي أدانته القمة بشدة واعتبرت أن الاعتراف الأحادي الجانب من قبل إسرائيل يعدّ باطلاً ومخالفاً للقانون الدولي وميثاق الاتحاد الأفريقي.
لكن الواقع في منطقة القرن الأفريقي، يرى فيه باحثون بالشأن الأفريقي أنه كثير التعقيد “من خلال التنافس ومحاولة إعادة التموضع للقوى الإقليمية والدولية”. وفي حديثهم مع “النهار” أبدوا تخوفهم من تفاقم التوتر مع إصرار أثيوبيا إيجاد منفذ إلى البحر الأحمر وسط الحشد العسكري التركي-المصري في الصومال.
عسكرة الصومال
الصومال، الدولة التي تسعى جاهدة للنهوض من كبوة العقود المأزومة السابقة، وجدت نفسها أمام أثقال صراعات وتضارب مصالح إقليمية ودولية، إلى جانب مواجهتها المستمرة مع “حركة الشباب” المصنفة إرهابية.
وصراع النفوذ على القرن الأفريقي كان من الأسباب التي أعادت الحرارة إلى العلاقات المصرية-التركية، وتفعيلها على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وفي هذا الشأن يقول الخبير في الشؤون الأفريقية في “مركز الأهرام” عطية العيسوي، لـ”النهار”، إن “التدخل العسكري التركي-المصري هدفه تأمين الحد الأدنى من الاستقرار، ومواجهة تنظيم الشباب ومحاولة أثيوبيا الحصول على ميناء وقاعدة عسكرية في مخالفة للقوانين الدولية في أرض الصومال التي لا تزال جزءاً لا يتجزأ من الصومال الكبرى باستثناء الاعتراف الإسرائيلي”.
ويشرح العيسوي أنه “إذا استوطن الإرهاب، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تسلل الإرهاب إلى القرن الأفريقي والسودان في ظلّ الفوضى والحرب الأهلية القائمة هناك حالياً، وبالتالي يهدد الأمن القومي المصري”.
توازياً مع هذا الرأي، يقول الدكتور محمد تورشين، الخبير أيضاً في الشؤون الأفريقية، إن محاولة إعادة التموضع للقوى في القرن الأفريقي وفي حال الصراع الإقليمي “ينعكس بشكل مباشر على مصالح القوى الدولية في القرن الأفريقي، التي بلا شكّ ستكون جزءاً من المعادلة سواء لإعادة التوازن أو معادلة الصراع، وهو ما يربك المشهد”.
ويقول الباحث المقيم في باريس لـ”النهار”: “أثيوبيا لا تزال حبيسة ولا يمكن تغييرها، ممكن أن تحصل على إطلالة بحرية من خلال عقود طويلة الأمد مثل ما حدث في جيبوتي، أو عقود لاستخدام الموانئ في أرض الصومال. لكن لا أعتقد أنها قادرة على تغيير الجغرافيا في حرب مع جيبوتي أو أريتريا أو الاستيلاء على أرض من الصومال”.
مقديشو وأرض الصومال
الشق العسكري من التعاون المصري-التركي ترجم بنشر قوات في الصومال، وقد برز ذلك أكثر بعد الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وعلى الأثر أرسلت أنقرة طائرات مقاتلة من طراز “أف-16″، كما أرسلت مدرعات وقطع بحرية، بالتزامن مع وصول سفينة للتنقيب عن النفط والغاز. وتركيا في الأصل تدير قاعدة “تركسوم” في مقديشو، التي تعدّ من أكبر منشآت التدريب العسكرية التركية في الخارج.
وعلى الجهة المصرية، كذلك الأمر، فقد أرسلت القاهرة تعزيزات عسكرية من مروحيات قتالية وطائرات إلى قواتها المتواجدة في الصومال منذ عام 2024 بعد توقيع “بروتوكول تعاون عسكري” بين البلدين. وفي عام 2025 تم توقيع اتفاقية “شراكة استراتيجية شاملة” سمحت لمصر بالمشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة لدعم واستقرار الصومال.
ويخشى تورشين أن يتمّ “التأثير والتضييق على المصالح الأثيوبية في مقديشو”، ويرى أنه ربما في توقيت معين “ستقوم الحكومة الصومالية بمناورة سياسية أو عسكرية لاستعادة صومالي لاند في حرب محدودة”. لكنه يوضح في الوقت ذاته أن مواثيق الاتحاد الأفريقي “تفرض الاعتراف بالحدود الدولية”، وبالتالي “لا يمكن تحقيق مطالب أديس أبابا بالقوّة، وعكس ذلك يفتح باب المواجهات الواسعة في القرن الأفريقي، مما يجعل أثيوبيا عرضة للاضطرابات الداخلية في إقليمي تيغراي وأمهرة”.
هذا الرأي يتوافق مع رأي العيسوي، لكن من زاوية أخرى، إذ يقول إن أثيوبيا يمكن أن “تفجر الاستقرار النسبي في المنطقة” في محاولة لانتزاع ميناء أو قاعدة عسكرية سواء من أريتريا أو الصومال من “صومالي لاند”. وإذا فعلت ذلك يمكن أن تنفجر المنطقة، ما يعني انحياز أطراف إقليمية لهذا أو ذاك، “الأمر الذي يمكن أن يسبب مشاكل كبيرة إذا استمرت طويلاً، وهو ما سيدفع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة للتدخل للسيطرة على الموقف وفرض أجندتها الاستراتيجية”.
وفي مقاربة ثانية، يشير العيسوي إلى أنه من المحتمل أن تقوم أثيوبيا باستغلال التوتر الكبير بينها وبين أريتريا بسبب اتهام الأخيرة بأنها تدعم الحركات الانفصالية في إقليمي تيغراي وأمهرة. هذا التوتر يمكن أن تستغله أثيوبيا لشن حرب على أريتريا، و”إذا انهزم الجيش الأريتري يمكن أن تسيطر أثيوبيا بالقوّة على ميناء في منطقة عصب البحرية، وسوف تنتظر كيف سيكون ردّ فعل المجتمع الدولي. وعندها سيكون هناك مطالبة بحلّ وسط، الذي يُمكن أن يفضي إلى الاحتفاظ بالميناء في منطقة عصب مع ممر آمن مقابل الانسحاب من أريتريا”.
منارة للتعايش
في كلمته خلال افتتاح القمة الأفريقية، أكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن بلاده تسعى نحو التنمية والعدالة والتكامل الإقليمي، ولا ينطوي ذلك “على أطماع جغرافية أو نوايا توسعية، ولا تسعى لتهديد أمن جيرانها”.
وحيال مساعي بلاده للوصول إلى منفذ عبر البحر الأحمر، قال إن ذلك “ضرورة وجودية سلمية ودعوة للشراكة التي لا تخدش سيادة الجوار، ولا تضر بمصالح الآخرين”، مشيراً إلى أنها مسألة تمليها الحاجة الإنسانية والنمو السكاني، وهو “سعي سلمي نابع من الإيمان بأن ازدهار أثيوبيا هو ازدهار للمنطقة بأكملها”.
وشدّد آبي أحمد على أن أثيوبيا تظل “منارة للتعايش ويداً ممدودة للسلام”، وعلى مبدأ “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”. مؤكداً أن الحوار والمصالحة هما السبيل الوحيد لحماية مستقبل القارة.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
