د. سلمان ريا
في أعماق الشتاء، حين يطول الليل وتغفو الأرض تحت صمتها البارد، يظهر طقس قديم ما زال حيًا في الساحل السوري: القوزلي. ليس مجرد عيد (رأس السنة بالتقويم اليولياني المعروف بالشرقي)، بل لحظة عبور زمنية، عقدة دقيقة بين موت الطبيعة وبداية الحياة من جديد.
في هذا الطقس، تُشعل النار، لكنها ليست مجرد لهب، بل جمر هادئ، حرارة كامنة تشير إلى أن الحياة مختبئة تحت الظلام، وأن الزمن مستمر رغم السكون. واسم القوزلي نفسه يحمل هذا المعنى: فهو مشتق من الجذر ق-ذ-ل / ق-ز-ل، الذي يعني الالتفاف والانقباض، العقدة، المكان الذي يتجمع فيه شيء على نفسه قبل أن ينفجر. الجذر يعطي الطقس بعدًا لغويًا رمزيًا دقيقًا: النار المتجمعة، البذرة الكامنة، الوقت الذي يحبس نفسه قبل أن يعلن ولادته.
القوزلي جزء من دورة أوسع عرفها الإنسان منذ آلاف السنين: موت الطبيعة، كمون الشتاء، ولادة النور، عبور الزمن، ثم بعث الحياة في الربيع. هذا الطقس لم يلغَ مع مجيء المسيحية، بل أعيدت رمزيته؛ ميلاد النور أصبح ميلاد المسيح، والصليب انعكاسًا لموت الطبيعة، والقيامة رمزًا لعودة الحياة.
حتى في شمال سورية، تكشف آثار مدينة إبلا عن مكتبة ضخمة من الألواح المسمارية، تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، تشير إلى حياة الناس وطقوسهم، وهي تذكير بأن جذور طقوسنا أقدم بكثير مما نعرف.
القوزلي إذًا ليس مجرد احتفال، بل حكاية الإنسان والزمن والطبيعة. كل جمر يُشعل في هذا اليوم يروي سر استمرار الحياة، ويؤكد أن الزمن لا يتوقف، وأننا جزء من دورة أزلية تبدأ من الظلام لتخرج بالنور، كل شتاء، في قلب بلاد الشام.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
