فردوس دياب
بالرغم من عودة أكثر من 3 ملايين لاجئ إلى مناطقهم، إلا أنّ أكثر من ضعفهم لا يزال خارج سوريا، نظراً للعديد من الصعوبات التي تقف عائقاً أمام حلم عودتهم، وفي مقدّمتها الواقع المأساوي لمعظم المناطق والبلدات التي دمّرها النظام المخلوع، حيث أصبح الكثيرون بلا سكن ولا عمل.
في جولة ميدانية في دمشق، التقت “الثورة السورية” بعدد من العائدين إلى سوريا بعد سنوات اغتراب طويلة، لترصد قصصهم الإنسانية بين فرحة العودة وصعوبة إعادة بناء الحياة من جديد.
يقف رضوان الصعيدي (56 عاماً) أمام دكانه الصغير الذي استأجره حديثاً، مبتسماً رغم التعب. عاد رضوان من ألمانيا بعد أن غادر سوريا عام 2013، حيث تزوّج وأنجب طفلين في بلد الاغتراب الذي يصفه بالأجمل من حيث الخدمات والحياة.
ورغم اعترافه بأنّ الأحوال المعيشية في سوريا لا تزال صعبة، وهو ما يعتبره أمراً طبيعياً بعد خمسة عقود من سيطرة نظام فاسد وقمعي، إلا أنّه اختار العودة ليبدأ من الصفر، متحدّياً الظروف بمشروع صغير لعلّه ينجح في تحسين أحواله وإعادة بناء حياة كريمة على أرض الوطن.
أما وليم إسبر (50 عاماً)، العائد من النمسا ويعمل حالياً “كومجي” للسيارات، فيعيش حالة من التناقض بين فرحة العودة إلى الوطن وهواجس الحياة اليومية. فبينما يغمره الشعور بالحنين إلى سوريا، تؤرّقه الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع الأسعار، إضافة إلى غياب الخدمات الأساسية عن منطقة صحنايا التي يستأجر فيها منزلاً حالياً.
وقد دمّر النظام منزله ومحلّه في مدينة داريا بالكامل، ممّا جعله يبدأ من لا شيء. هذا الواقع الصعب يجعل زوجته وأبناءه يتردّدون في العودة حالياً، خصوصاً وأنّهم يدرسون في الجامعات النمساوية، ليظلّ وليم معلّقاً بين رغبته في لمّ شمل عائلته إلى سوريا، وخشيته من عدم قدرته على توفير حياة كريمة لهم.
من مدينة داريا، يروي محمد أبو هدلة (38 عاماً) حكايته مع التهجير الداخلي، حيث نزح إلى محافظة إدلب قبل أن يعود اليوم ليبدأ من جديد. وجد منزله مدمّراً بالكامل على يد النظام المخلوع، ليواجه تحدّياً جديداً يتمثّل في غلاء الإيجارات التي تثقل كاهله. يعمل حالياً في مهنة الحدادة بأجر يومي لا يتجاوز مئة ألف ليرة، محاولاً جاهداً تدبير أمور حياته وسط ظروف قاسية، مؤمناً بأنّ العودة إلى الوطن تستحق كلّ هذا العناء مهما كانت التحدّيات.
أما أحمد المحمد، اللاجئ في ألمانيا، فيعيش صراعاً داخلياً بين حنينه إلى وطنه بعد تحريره من نظام القمع، وبين العقبات التي تحول دون عودته. يوضّح أحمد أنّه لا يملك مكاناً يقيم فيه لأنّ منزله دُمّر بالكامل، كما أنّه فقد مصدر دخله بعد تقاعده قبل التهجير.
ويضيف أنّ بعض أبنائه يدرسون في الجامعات الألمانية، وبعضهم الآخر تزوّج وأنجب وأصبح له عمل واستقرار هناك. ويرى أنّ عودته وعائلته في هذه الظروف الصعبة لن تزيد الوطن إلا أعباء ومشكلات جديدة، ولن تساهم سوى في إنتاج بطالة إضافية، مفضلاً الانتظار ريثما تتحسّن الظروف وتتهيأ الأرضية المناسبة للعودة الدائمة.
تنظيم برامج اندماج وتوظيف
عن أهمية دعم عودة المهجرين وتعزيز دورهم في النهوض والبناء، أكّد الدكتور في علم الاجتماع وليم طه في حديثه لـ “الثورة السورية “، أنّ التنمية المجتمعية لا يمكن أن تحدث بدون مشاركة كلّ أطياف المجتمع المدني في الداخل والخارج، من خلال منظّماته ومؤسساته المدنية والأهلية التي تلعب دوراً محورياً وحيوياً في تشجيع عودة المهجرين عبر التوعية بأهميتهم للتنمية، وتوفير شبكات دعم اجتماعي واقتصادي، وتنظيم برامج اندماج سريعة مثل التوظيف، التدريب المهني، الدعم النفسي، والمساعدة في الإسكان، لتسهيل إعادة دمجهم الكامل وتفعيل مساهمتهم في بناء الوطن ونهضته، من خلال شراكات مع القطّاع العام والخاص.
ويضيف، أنّ ملف عودة المهجرين والمغتربين واللاجئين، يجب أن يكون أولوية استراتيجية بالنسبة للحكومة، لدورهم المؤثّر في نهضة الوطن وبناء مستقبله، وذلك عبر تحويل رغبة العودة إلى واقع فعّال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدور مؤسسات المجتمع المدني الحيوية، مشيراً إلى أنّ قدرات الدولة المنفردة في مواجهة تعقيدات إعادة الدمج والبناء غالباً ما تكون محدودة.
وحول دور تلك المؤسسات الأهلية في قضية العودة، أوجز طه ثلاث نقاط رئيسية ، الأولى هي التوعية والتحفيز، عبر حملات منظّمة لإبراز أهمية العائدين الاقتصادية والبشرية، وورش عمل لكسر الصور النمطية وربط العودة بالفرص والاستقرار، والثانية من خلال الدعم المباشر عبر توفير الدعم النفسي والاجتماعي وإنشاء مجموعات دعم لتبادل الخبرات، ممّا يساعد العائدين وعائلاتهم على تجاوز صدمة الانتقال، وأمّا النقطة الثالثة، فهي التمكين الاقتصادي عن طريق برامج تدريب تلائم سوق العمل، ومساعدتهم في إيجاد فرص عمل أو إطلاق مشاريع صغيرة، إلى جانب تقديم إعانات مبدئية.
ولنجاح ذلك، بحسب طه، يجب أن يتمّ تفعيل آليات عملية سريعة، مثل إنشاء “مراكز خدمة موحدة”، لتقديم المعلومات والخدمات القانونية والتعليمية في مكان واحد، و تنظيم برامج “التعارف والتأقلم” لدمج العائدين مع المجتمع المحلي، و العمل على “تبسيط الإجراءات” الإدارية المعقّدة بالتعاون مع الجهات الحكومية، و إطلاق “شراكات توظيف” مع القطّاع الخاص وتقديم حوافز للشركات المشغِّلة.
عودة آمنة وكريمة
وفي وقت سابق، أكّدت مسؤولة ملف اللاجئين في وزارة الخارجية والمغتربين إناس النجار لوكالة سانا، أنّ عودة اللاجئين يجب أن تكون تحت قيادة حكومية واضحة، تضمن التخطيط السليم وتقاسم الأدوار بين الجهات الوطنية والدولية حتى تكون ناجحة ومستدامة، مشيرة إلى ضرورة ضمان عودة اللاجئين الآمنة والكريمة والطوعية، وأولويات استقبالهم، ودمجهم بالمجتمع، والعمل على مواجهة التحديات الواقعية التي يمكن أن تواجههم والمتمثّلة بالأمن الاقتصادي والغذائي والصحي.
وقد توقّعت المفوضيّة السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين عودة نحو مليون لاجئ سوري إلى بلادهم خلال عام 2026، في ظلّ التعافي التدريجي الذي تشهده سوريا عقب سقوط نظام المخلوع في 8 كانون الأول 2024.
وأوضح غونزالو فارغاس يوسا، ممثل المفوضية في سوريا، في مقابلة سابقة له مع وكالة الأناضول، إنّ نحو 1.3 مليون لاجئ سوري عادوا بالفعل إلى بلادهم منذ ديسمبر 2024، إضافة إلى نحو مليونَي شخص من النازحين داخلياً الذين عادوا إلى مناطقهم الأصلية، وأوضح أنّ ذلك يعني أنّ أكثر من 3 ملايين سوري عادوا، خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، إلى مناطقهم في بلد أنهكته الحرب على المستويات الاقتصادية والبنيوية والخدمية.
يبقى ملف عودة اللاجئين السوريين يتضمّن قصص إنسانية حيّة تختزل بين طياتها معاناة التهجير وحلم العودة، إلى بلد لا يكتمل بناؤه من جديد إلا بعودة أبنائه، لكنّ هذه العودة تحتاج إلى رؤية حكومية واضحة، وبرامج اندماج فعالة، ومؤسسات مجتمع مدني تحتضن العائدين وتعينهم على تخطّي الصعوبات. فالعودة الآمنة والكريمة هي استحقاق وطني، والمستقبل السوري الجديد يُبنى بسواعد جميع أبنائه، مهما تباعدت بهم المسافات وطالت سنوات الغياب.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
