آخر الأخبار
الرئيسية » الأخبار المحلية » اللامركزية في القاموس السياسي لسوريا.. خارطة التوازن بين وحدة البلاد وتفويض الصلاحيات

اللامركزية في القاموس السياسي لسوريا.. خارطة التوازن بين وحدة البلاد وتفويض الصلاحيات

عزة  شتيوي

في القاموس السياسي لدمشق، تبرز اللامركزية الإدارية على خرائط المرحلة في سوريا الجديدة، وتعيد الحكومة السورية قراءة القانون 107 “بعيدا عن ألغام الفدرلة والتقسيم”. فاللامركزية الإدارية ليست مصطلحا جديدا على السوريين، بل هي جزء من تاريخهم الحديث وإنجاز ديمقراطي قدمه العقل السياسي السوري منذ خمسينيات القرن الماضي، إلى أن حاصره حزب البعث “بطوق اللامركزية الشديدة” واعتقل القرار داخل قصور النظام وفروعه الأمنية.

واليوم تؤكد سوريا أن اللامركزية الإدارية هي النموذج الأقرب للطبيعة الديمغرافية والجغرافية والسياسية لسوريا، التي تبقى فيها دمشق معقل القرار دون التفرد به، وهي المرجعية المبنية على أساس التمثيل والانتخاب الشعبي، والإدارة المحلية التي تعمل على تطبيق القانون 107 بحذافيره وضمن بيئة سياسية طبيعية لا تحتاج الحكومة السورية فيها إلى أن تتجمل بإطلاق القوانين دون تنفيذها كما فعل النظام المخلوع.

فاليوم تطرح اللامركزية الإدارية بوصفها انتقال بالنموذج السوري إلى العدالة والمشاركة والفعالية، من دون المساس بمبدأ وحدة الوطن وسيادته. فاللامركزية الإدارية ليست بديلا عن الدولة المركزية، بل هي وسيلة لتقويتها عبر تقريب وظائفها من المواطن، واستعادة شرعيتها عبر المشاركة والمساءلة، وهي فعلا ما بدأت الحكومة السورية الجديدة بتطبيقه.

تفويض المحافظين

بعد عدة اجتماعات تمهيدية عقدتها وزارة الإدارة المحلية والبيئة مع المحافظين لاعتماد ومناقشة الخطط الاستراتيجية على مستويات متعددة، ضمن رؤية تهدف إلى تعزيز الأداء المؤسسي، وضمان تكامل الجهود بين الجهات الحكومية المختلفة، وتحقيق تنمية متوازنة في جميع المحافظات، أصدر وزير الإدارة المحلية والبيئة السوري محمد عنجراني قرارا بتفويض المحافظين ممارسة عدد من صلاحياته، وذلك بهدف تعزيز اللامركزية الخدمية وتسريع الإجراءات في المحافظات.

ووفق القرار، يفوض المحافظون بممارسة اختصاصات الوزير في تشكيل المكاتب التنفيذية وتوزيع الأعمال بين أعضائها، وتصديق عقود الإنفاق الاستثماري والجاري، وعقود البيع والإيجار والاستثمار التي تجريها الوحدات الإدارية، إضافة إلى الصلاحيات المالية في قانون العقود، والإجراءات والموافقات التي تسهم في حماية البيئة.

كما نص القرار على تفويض المحافظين بالموافقة في حالات البيع أو الإيجار أو الاستثمار، وفي كل شؤون العاملين المنصوص عليها في قانون العاملين الأساسي (تعيين، نقل، منح إجازة، وغيرها)، وإخلاء المساكن العائدة ملكيتها للوحدات الإدارية، وتفويض رؤساء مجالس مدن مراكز المحافظات بإصدار القرارات المتعلقة بشؤون العاملين في المدينة.

وتسعى وزارة الإدارة المحلية والبيئة من خلال هيكليتها الجديدة إلى دعم التوجه الحكومي نحو اللامركزية الإدارية والتنمية المتوازنة، استنادا إلى تحليل شامل للواقع المحلي مع الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا الإطار.

تاريخ “اللامركزية” في سوريا

شهدت اللامركزية الإدارية في سوريا تحولات كثيرة بسبب الحالة السياسية غير المستقرة والاستبدادية خلال حكم البعث، وبقيت تجربة اللامركزية الإدارية تتأرجح بين نصوص دستورية شكلية وممارسات مركزية لنظام “الأسدين”.

وكان النموذج اللامركزي الإداري قد بدأ بمحاولات مبكرة في خمسينيات القرن الماضي، حيث طرح دستور 1950 وقانون الإدارة المحلية لعام 1956 أسسا أولية للامركزية، ركزت على إعطاء الوحدات الإدارية شيئا من الاستقلالية.

وفي عام 1963 سيطر حزب “البعث” على الحكم وتحول النظام نحو مركزية شديدة، وأصبحت الحكومة المركزية تفرض رقابتها على كل السلطات المحلية، وتم تحجيم المشاركة الشعبية لصالح تعزيز سيطرة نظام “الأسدين”. وحتى عام 2011 طرحت اللامركزية الإدارية على شكل (القانون 107) لمعالجة التهميش وإدارة الأزمات، لكنها واجهت تحديات التطبيق الفعلي وبقيت حبرا على ورق، وتبين أنها مجرد واجهة قانونية لسد ذرائع أمام المجتمعات الدولية.

وبعد انطلاق الثورة السورية تحولت اللامركزية إلى مطلب شعبي في محاولة لإعادة بناء الدولة وإنهاء التهميش التاريخي للمناطق الحدودية والنائية، خاصة مع انهيار المؤسسات المركزية نتيجة بطش النظام وإدخال البلاد في دوامة الحرب والعنف.

ما هي اللامركزية الإدارية؟

اللامركزية هي نظام إداري وسياسي يقوم على توزيع سلطة اتخاذ القرار والصلاحيات الإدارية بين مستويات مختلفة داخل الدولة الواحدة، مع احتفاظ الحكومة المركزية بالاختصاصات السيادية الكبرى (مثل الدفاع والسياسة الخارجية وإدارة المالية العامة).

وعند تطبيق اللامركزية الإدارية تتم إعادة هيكلة أو إعادة تنظيم السلطة، بحيث يكون هناك نظام مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الحكم على المستويات المركزية والإقليمية والمحلية، بما يرفع جودة وفعالية نظام الحوكمة بشكل عام، ويعزز سلطات وقدرات المستويات المحلية.

والهدف الأساسي من اللامركزية الإدارية هو نقل الصلاحيات المرتبطة بحياة المواطنين اليومية، كالتعليم والصحة والتخطيط والتنمية والخدمات، إلى سلطات محلية منتخبة وقريبة من المجتمع، مما يعزز الكفاءة في تقديم الخدمات ويرسخ مبدأ المساءلة أمام المواطنين محليا. وهي على النقيض من المركزية الشديدة التي أدت إلى حرمان المواطنين من حقوقهم في المشاركة، وتركيز السلطة والموارد في يد دولة مركزية غير ديمقراطية، مما خلق تنمية غير متوازنة وكان أحد أسباب التوترات والصراعات.

القانون 107

في سوريا تبرز اللامركزية الإدارية على أنها نقل صلاحيات تنفيذية وخدمية إلى هيئات محلية (كمجالس المحافظات أو البلديات) تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري. وتخضع هذه الهيئات لرقابة القضاء من حيث المشروعية، بدلا من الرقابة الإدارية اليومية من قبل المركز. ويعد القانون رقم /107/ لعام 2011 في سوريا حجر الأساس للامركزية الإدارية، حيث منح المجالس المحلية المنتخبة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها التنموية والخدمية بهدف تعزيز مشاركة المجتمع المحلي وتخفيف المركزية. وقد توسعت الصلاحيات بموجب قرارات حديثة (2025-2026) لتشمل جوانب مالية وإدارية واستثمارية للمحافظين.

وتنص المادة السابعة من قانون الإدارة المحلية على أن الجمهورية العربية السورية تتكون من وحدات إدارية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وهي: المحافظة، والمدينة، والبلدة، والبلدية.

ويجوز أن يكون نطاق المحافظة مدينة واحدة يمثلها مجلس واحد، وفي هذه الحالة يتمتع مجلس المحافظة ومكتبه التنفيذي، “فضلا عن اختصاصاتهما”، باختصاصات مجلس المدينة ومكتبه التنفيذي.

وتضم إلى المدن والبلدات والبلديات، مع مراعاة الحدود الإدارية للمحافظات والمناطق والنواحي، جميع القرى والمزارع التي لا تتبع أي مدينة أو بلدة أو بلدية، ولا يزيد بعدها على 15 كم عن حدود مخططها التنظيمي العام المصدق، على أن يتحقق فيما بينها الربط الطرقي أو الجغرافي. وتمثل هذه القرى والمزارع في مجلس المدينة أو البلدة أو البلدية وفقا لأحكام هذا القانون.

كما تنص المادة الثانية من القانون 107 على تطبيق لامركزية السلطات والمسؤوليات وتركيزها في أيدي فئات الشعب تطبيقا لمبدأ الديمقراطية الذي يجعل الشعب مصدر كل سلطة، وذلك من خلال توسيع وتحديد واضح وغير مزدوج لسلطات وصلاحيات مجالس الوحدات الإدارية لتمكينها من تأدية اختصاصاتها ومهامها في تطوير الوحدة الإدارية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعمرانيا.

وتعزيز الإيرادات المالية للوحدات الإدارية لتمكينها من ممارسة الدور التنموي في المجتمع المحلي إلى جانب الدور الخدمي، وجعل هذا المجتمع مسؤولا عن الحفاظ على موارده وتنمية هذه الموارد لتحسين المستوى المعيشي للمواطنين وتقديم خدمات أفضل، وتطوير فرص اقتصادية وتنموية ضمن الوحدات الإدارية تساعد على خلق فرص عمل وإيجاد حالة من التكامل بين الدور الخدمي والدور التنموي.

وخلاصة الأمر أن اللامركزية في الحالة السورية ينبغي أن تفهم بوصفها خيارا تنظيميا ضمن الدولة الموحدة، وليست خطوة باتجاه التقسيم أو إعادة ترسيم سيادة جديدة. فالفيدرالية غير مطروحة في سوريا ولا تتلاءم مع مساحة وطبيعة البلاد، بل المطروح هو توسيع صلاحيات الحكم المحلي ضمن سوريا واحدة.

وترى الدراسات أنه رغم تطبيق اللامركزية الإدارية، فإن هناك مجالات يجب أن تبقى بشكل صارم صلاحيات حصرية للمركز وللعاصمة دمشق، ولا تخضع للتفويض أو اللامركزية، وهي كل ما يتعلق بوحدة الدولة وسيادتها والتمسك بوحدة الدولة السورية أرضا وشعبا. ويقول باحثون في الشأن السوري إن اللامركزية المقترحة يجب أن تصمم وتنفذ بصورة لا تفتح أي ثغرة نحو الفيدرالية التقسيمية أو أي شكل من أشكال التقسيم المقنع. كما ينبغي رفض أي طرح يستغل شعار اللامركزية للدعوة إلى كيانات سياسية مستقلة بحكم الأمر الواقع، وهذا يحتاج إلى خطاب وطني واضح يبدد مخاوف الناس ويؤكد أن سوريا المقبلة ستكون موحدة السيادة مهما توزعت صلاحيات الإدارة المحلية.

وبحسب تقارير فإن الوضع الراهن في سوريا لا يسمح بتطبيق الإدارة المحلية واللامركزية السياسية بشكل سريع أو فوري في كل سوريا، لأنه قد يكون وصفة للفشل بسبب التفاوت الكبير بين المناطق في الجاهزية. لذا يجب انتهاج التدرج المرحلي، بحيث يتم تفويض الصلاحيات على مراحل ترتبط بتحقيق معايير محددة (كوجود مجالس منتخبة، وتوفر كوادر مؤهلة، وتحسن الأوضاع الأمنية). كما يجب إجراء تقييمات دورية خلال كل مرحلة لقياس الكفاءة والقدرات المحلية، وتصحيح المسار بناء على نتائج التقييم. هذا النهج المرن سيتيح الاستجابة للتحديات غير المتوقعة وضمان ألا تخرج العملية عن السيطرة.

نظام سياسي عادل

اتفق علماء السياسة على أنه لا يمكن الاعتراف بأن نظاما سياسيا عادلا إذا لم يتوفر فيه شكل من أشكال الحكم المحلي. وهكذا، بإعادة رسم الخريطة الإدارية السورية، نستطيع أن نخرج بالإدارة المحلية وقوانينها من دوامة فكرة التقسيم إلى تمثيل كل المكونات السورية في مناطقها، من خلال الممارسة الديمقراطية بانتخاب ممثلين لها وفقا لأسس المصلحة العامة والكفاءة والفاعلية والمردودية، وهذا هو مفهوم النظام الديمقراطي الذي تقوم عليه الدول.

وبالتالي فإن اللامركزية الإدارية الموسعة في سوريا تبدو واضحة الملامح، وتقوم على وحدة سوريا وطنا لكل السوريين، من خلال تنظيم الإدارة المحلية، وتنظيم تقاسم موارد البلد، وضمان توسيع المشاركة في الحكم وصياغة القرارات المصيرية. ولكن هذا لا يعني قيام كل محافظة بإقامة علاقات خارجية أو تشكيل جيش أو عملة أو علم خاصين بها، وإنما تعني إدارة شؤونها في قضايا التعليم والصحة والخدمات والأمن الداخلي، أما الشؤون السيادية، وضمنها الخارجية والدفاع وإدارة الاقتصاد، فتبقى في يد السلطة المركزية.

واللامركزية الإدارية في سوريا تقوم على أساس جغرافي، وليس على أساس قومي أو طائفي، لأن ذلك يتناقض مع دولة المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات، ولا يتم تعريف المواطن بقوميته أو دينه أو مذهبه، فالمكانة الحقوقية متساوية لكل المواطنين.

وبذلك يتوفر التنوع في الممارسة الإدارية بين الوحدات المحلية، وهو ما قد يقدم نماذج أكثر فاعلية لخدمة المواطنين، ويترك لهذه الوحدات الفرصة لتحديد الأنسب لبيئتها المحلية في مجال الخدمات والضرائب والإطار العام للحياة، مع مراعاة خصوصيات السكان في كل منطقة.

اللامركزية نتيجة ضغط دولي أم استراتيجية؟

يأتي تفويض المحافظين بصلاحيات وزارة الإدارة المحلية والبيئة بعد عام من التحرير ليطرح السؤال: هل تطبيق اللامركزية الإدارية جاء بضغط أم كان ضمن الاستراتيجية؟ وهنا يقول الكاتب والباحث السياسي أسعد الزعبي في حديث لصحيفة “الثورة السورية” إنه منذ الأيام الأولى للتحرير جرى الحديث عن نظام جديد وقوانين جديدة، ومن المعروف أن قانون 107 لعام 2011 هو قانون لتطبيق اللامركزية الإدارية. وكان النظام المخلوع قد أعطى صلاحيات قليلة جدا للمحافظين وشكل المجالس المحلية، وبقيت غير فعالة نتيجة القيود الأمنية لنظام الأسد، لكن اليوم، ومع تولي القيادة السورية الجديدة والحكومة الجديدة، تتحدد صلاحيات مثل إجراءات البيع والشراء والإيجار والإنفاق وتنفيذ العقود والوظائف وغيرها من الصلاحيات للمجالس المحلية، وهي خطوة واسعة جدا في نظام اللامركزية، الذي يبدو في سوريا أكثر انفتاحا حتى من بعض الدول الأخرى، وهي لها انعكاس واضح على تسريع تنفيذ المعاملات والخدمات في ظل التحديات والتهديدات التي أوصل نظام الأسد البلاد إليها. ويضيف الزعبي أن هذه القرارات، تطبيق اللامركزية، قرارات جيدة تساهم حقيقة في خدمة المواطنين، وننتظر نتائجها أو الحجم الذي سمحت به وزارة الإدارة المحلية لوجود لا مركزية، خاصة أنها نموذج إداري مرن وجيد ضمن إطار الدولة الواحدة.

ويقول الزعبي إن خطوة اللامركزية الإدارية من شأنها أن تخفف الضغط وتوزع المسؤولية والتشاركية ليكون المواطن السوري شريكا بالقرار والمسؤولية، خاصة في هذا الظرف الاستثنائي الذي نسعى فيه جميعا إلى الاستقرار السياسي والأمني والإداري، لأن هذا الاستقرار أساس تحقيق الاستثمارات.

ويضيف الزعبي أن الظرف اليوم قد لا يسمح بتطبيق اللامركزية الإدارية بشكل كامل، خصوصا أنه لا يزال هناك تحديات وتهديدات للدولة السورية، خاصة في السويداء، وفي الجزيرة العربية السورية. وحتى ننتقل إلى لا مركزية إدارية حقيقية في سوريا، يجب أن يكون هناك استقلال مالي حقيقي للمجالس، وأن يكون هناك وضوح دستوري للصلاحيات، وتقليص لهيمنة المركز على المؤسسات أو الإدارات أو المجالس.

وحول البعد السياسي للامركزية الإدارية، يؤكد الزعبي أن اللامركزية تأخذ أبعادا سياسية تتجلى في توزيع السلطة، واقتصادية في توزيع الموارد، واجتماعية في تعزيز المشاركة والثقة بين الدولة والمجتمع.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حصاد مؤتمر ميونخ للأمن.. حضور سوري مهم وملفات أبرزها العدالة الانتقالية

عاصم الزعبي انطلقت يوم الجمعة الفائت، أعمال مؤتمر ميونخ للأمن في ألمانيا، في دورته الثانية والستين بمشاركة أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة ونحو 100 وزير دفاع ...