آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » اللغة الآراميّة في سوريا.. لسانٌ يصارع الاندثار ويحفظ ذاكرة التاريخ

اللغة الآراميّة في سوريا.. لسانٌ يصارع الاندثار ويحفظ ذاكرة التاريخ

رنا بدري سلوم

لم يبقَ من الامتداد الغربي للغة الآرامية في العالم اليوم إلا ما تحفظه القرى الثلاث «معلولا وجبعدين وبخعا» في محافظة ريف دمشق، وهي لغةٌ يقارب عدد المتحدثين بها خمسةَ عشرَ ألفَ نسمة، يقيمون في هذه القرى، متشبثين بلسان آبائهم وأجدادهم، وحريصين على نقله جيلاً بعد جيل.

وبهدف الحفاظ على التراث المادي واللامادي للغة الآرامية، بما في ذلك المخطوطات والأدوات والمواد الصوتية، أصدر وزير الثقافة محمد ياسين صالح قبل أسبوع قراراً يقضي بالترخيص لافتتاح متحف للتراث الشعبي تحت اسم «متحف اللغة الآرامية التراثي» في قرية جبعدين.

وللتعرّف إلى ماهية اللغة الآرامية، وتاريخها، وحضورها الراهن، والرؤية المستقبلية للحفاظ عليها، أجرت «الثورة السورية» حواراً مع الباحث في التاريخ والتراث اللغوي جهاد محمد ضامن، الذي تعمّق في دراسة الآرامية، وترجم عدداً من نصوصها إلى العربية، وأسهم في تعليمها، فكان التالي:

  • لنبدأ من القرار الصادر مؤخراً، ما أهمية حماية اللغات المحلية كجزء من التراث اللامادي برأيك؟

تعمل الدول وتتنافس على الفوز بأكبر قدرٍ من عناصر التراث اللامادي، ولنا في موسوعة «غينيس» ولوائح المنظمات الدولية، وحتى الوطنية، للتراث اللامادي، والتسجيل فيها، دليلٌ على ذلك. ويعود السبب إلى أن ملكية التراث اللامادي تعزّز شرعية وجود الشعب على أرضه، وتُثبّت حقوقه أمام الآخرين، كما تُسهم في ترسيخ هويته الوطنية والتاريخية.

وفي هذا المجال، ستكون لنا في مؤسسة الياس حنا التراثية مساهمة، إذ نعمل على إعداد ملف سنقدّمه إلى وزارة الثقافة لإدراج اللغة الآرامية في القرى الثلاث ضمن لائحة اليونيسكو للتراث الإنساني اللامادي.

  • كيف يعكس التنوع اللغوي في سوريا تنوعها الديني والثقافي؟

اللغة وعاء الفكر والثقافة، وأقول هنا إنني، خلال إعطائي دروساً خصوصية في اللغة الآرامية، ألاحظ أن المتعلم يكتسب ثقافةً جديدة بالقدر نفسه الذي يتعلم فيه لغةً جديدة. ووجود أكثر من لغة متداولة في مجتمعٍ ما يعني بالضرورة أنه مجتمع نابض بالحيوية؛ فالاختلاف سنة من سنن الحياة، فالناس كما أنهم متشابهون، فهم أيضاً مختلفون، ولا يوجد تطابقٌ تام في أي شيء.

  • ما أصول اللغة الآرامية، ومتى ذاع انتشارها في بلاد الشام؟

تضرب الآرامية بجذورها في أعماق التاريخ، إذ يعود عهدها إلى نحو خمسة آلاف عام، منذ أن ظهر الآراميون في أرجاء بلاد الشام وشمال غربيّ العراق، غير أنّ سلطانها اللغوي لم يشتدّ ويقوَ إلا في حدود القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ولا سيما في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد، حين غدت لغةً واسعة الانتشار في بلاد الشام وشرق المتوسط، وقد صمدت أمام تعاقب الأمم واللغات، من اليونانية إلى الرومانية ثم العربية، حتى إذا أطلّ القرن السابع الميلادي أخذت تتراجع رويداً رويداً، وإن لم تنقطع سلسلتها الحيّة.

  • ما الفرق بين الآرامية القديمة والآرامية المحكية اليوم؟

الآرامية لسانٌ ساميٌّ عريق، تعاقبت عليه أطوار السياسة والاقتصاد والحروب والتحولات الحضارية، فأثّرت في بنيته وألفاظه، ومن سنة اللغات أن تتبدّل في ظواهرها مع بقاء جوهرها، فالآرامية المعاصرة ليست صورةً مطابقةً لقديمها، لكنها الامتداد الأقرب إلى الآرامية الفلسطينية الجليلية التي كان يتكلم بها السيد المسيح عليه السلام في مطلع القرن الأول الميلادي.

  • ما أبرز اللهجات الآرامية الباقية في سوريا؟

تنقسم الآرامية في عصرنا إلى قسمين كبيرين، غربيةٍ وشرقيةٍ، فأما الغربية فهي التي ما تزال حيّةً في قرانا، وأما الشرقية – المعروفة بالسريانية – فتتفرع أيضاً إلى شرقيةٍ وغربيةٍ، وكلتاهما موجودة في شمال العراق وبعض مناطق شمال سوريا.

  • ما العلاقة بين اللغة الآرامية والسريانية؟

هما في الأصل تسميتان لجوهرٍ لغويٍّ واحد، غير أن الفرق بينهما فرقُ طورٍ وزمن، فالآرامية هي الاسم الأقدم، والسريانية تمثل مرحلةً لاحقة من تطورها، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن التمييز بين الاسمين تأثر ببدايات انتشار المسيحية، إذ كان يُطلق وصف «السرياني» على من اعتنق الدين الجديد، و«الآرامي» على من بقي على معتقده القديم، ثم استقرّ الاسمان في دلالتهما التاريخية، بعيداً عن أي مدلولٍ ديني مباشر.

  • كيف أثّرت الآرامية في العربية المحكية؟

لا ريب أنّ للآرامية أثراً بيّناً في اللغة العربية الدارجة في بلاد الشام، حتى إن طائفةً غير قليلة من مفرداتها ذات أصل آرامي، وهو شاهد على عمق حضورها في العصور الخالية، وكثيراً ما نعثر على ألفاظٍ آراميةٍ اندثر استعمالها في موطنها الأول، فإذا هي باقية في العامية العربية، مثل «جُوّا» و«بِدّي» ونحو ذلك.

  • لماذا تُعدّ الآرامية من أقدم اللغات الحيّة؟

لأنها لغةٌ موغلة في القدم، تضاهي في عراقتها أقدم الألسنة المعروفة بعد السومرية والهيروغليفية، ولأنها – على الرغم ما أصابها من انحسار – ما تزال تُستعمل في الحديث اليومي، ولو في نطاقٍ ضيّق، فاجتمع لها قِدَمُ الأصل وبقاءُ الاستعمال.

  • كيف يُسهم الأهالي في نقل اللغة إلى الأجيال؟

توارثنا اللغة جيلاً بعد جيل، وما برح الأهل يحرصون على مخاطبة أبنائهم بها في البيوت والمجالس، وإنّ الإصرار على استعمالها في الحياة اليومية هو الركن الأساس في بقائها واستمرارها.

  • كيف تعكس الأغاني أو الصلوات بالآرامية هوية المنطقة؟

لقد عمل أهل معلولا على تأدية الطقوس والصلوات باللغة الآرامية، وهو ما كان له أهمية كبيرة في بقاء اللغة حيّة، وحتى الآن يسمع الزائر لمعلولا الصلوات والترانيم بالآرامية، ولا يخفى أثر ذلك في المستمعين حتى لو لم يعرفوا الآرامية. كذلك كان للأغاني والأناشيد الدور الهائل في الحفاظ على استمرار اللغة، خاصة أهازيج الأم لطفلها عند نومه، وهو ما نحاول الاهتمام به وإعادته للاستخدام.

  • هل توجد مبادرات تعليمية أو ثقافية لإحياء الآرامية في هذه القرى؟

الآرامية ما زالت حيّة في هذه القرى، غير أنّ المبادرات القائمة تهدف إلى الحفاظ عليها حيّة وتعزيز حضورها. وفي هذا المجال تقوم مؤسسة الياس حنا التراثية الخيرية (الوحيدة حالياً)، وهي من منظمات المجتمع المدني، بتنظيم نشاطات ثقافية وتراثية في معلولا وجبعدين، كإصدار المطبوعات وتنظيم الدورات التعليمية. ومنذ فترة قمتُ شخصياً بتعليم قراءة وكتابة اللغة الآرامية في الدورة التي أقامتها جامعة دمشق بالتعاون مع مؤسسة الياس حنا.

وسابقاً نفّذت مؤسسة آراميا عدداً من النشاطات الإعلامية والثقافية وأصدرت مطبوعات، منها مهرجان «أكيتو جبعدين» بالتعاون مع وزارة السياحة، ومهرجان الأغاني الآرامية في معلولا وغيرها، كما ساهمت في إشهار متحف اللغة الآرامية في جبعدين. ويشارك في هذه الجهود الأستاذ إبراهيم الشاعر، والأستاذ عماد فياض، والأستاذ الياس تجرة، إضافة إلى العديد من المبادرات الفردية.

  • كيف يمكن للشباب اليوم أن يساهموا في حماية هذا التنوع؟

أعتقد أن إقامة الشباب واستقرارهم في التجمعات التي تتحدث الآرامية تمثل أكبر مساهمة يمكن أن يقدّموها، فأغلبهم إما يهاجر أو ينتقل للسكن في المدينة، وهذا النزوح يُعدّ من أخطر أسباب تراجع التنوع اللغوي وانحساره، وفي المقابل، ولكي نكون منطقيين، ينبغي على المؤسسات المعنية أن توفّر المقومات التي تشجّع الشباب على السكن والإقامة في مناطقهم، وأطالب بتخصيص مبلغ في موازنة الدولة لتنمية منطقتنا وتوفير مستلزمات بقاء سكانها فيها، وهذا المطلب ليس صعباً ولا مستحيلاً. إن وجود بعض المنظمات، مثل هيئة “مار أفرام السرياني ” التي تموّل مشاريع صغيرة للشباب في معلولا، على أهميته، لا يُغني عن ضرورة قيام الدولة بدورها الأساسي في هذا المجال.

  • برأيك، هل يُعتبر التنوع اللغوي في سوريا ثروة وطنية؟

كان قطاع السياحة يشكّل المصدر الثاني أو الثالث للدخل القومي، وبما أن صناعة السياحة تقوم على عدة مقومات، كالفنادق والآثار والأسواق الشعبية وغيرها، فإن تنوع اللغات يُعدّ أحد هذه المقومات أيضاً. فالسائحون والباحثون والمهتمون تستقطبهم لغة دينية تاريخية قديمة كالآرامية، لغة السيد المسيح، ولا سيما أنها حاضرة في منطقة تزخر بالمزارات والآثار والطبيعة المتميزة. وبالتالي، نعم، إن التنوع اللغوي ثروة وطنية وملكٌ لسوريا كلها.

  • ما أجمل كلمة آرامية في نظرك؟

كل كلماتها عزيزة، غير أنّ كلمة (ܪܰܚܡܘܬ݂ܐ «رَحْموثا» ) – أي المحبة – تظل من أعمقها دلالةً وأصدقها وقعاً في النفس.

  • ما رسالة التنوع اللغوي السوري إلى العالم؟

رسالته أن هذه الأرض كانت ولا تزال مهداً للحضارات ومجمعاً للديانات ومنبعاً للعلوم والقوانين، وإنّ تنوع الألسنة فيها ليس علامة انقسام، بل شاهد غنى حضاريٍّ وإنسانيٍّ متجذر في التاريخ.

ويعزز احترام اللغات المختلفة التعايش المشترك، ويندرج ذلك تحت عنوان احترام وقبول الآخر، وبالتالي حين أحترم لغتك المختلفة عن لغتي فإنني أعترف بالنتيجة بأننا متساوون في حقوقنا ومتساوون في واجباتنا، ولا بديل لنا من العيش المشترك تحت سقف وطننا سوريا الذي يضم كل هذا التنوع.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قلعة الرصافة.. برج إنذار أثري في مصياف

زهور رمضان تقع قلعة الرصافة في محافظة حماة، وتحديداً في المنطقة الجبلية الواقعة بين مدينتي مصياف ووادي العيون، وهي قلعة أثرية تعود إلى أواخر القرن العاشر الميلادي، ...