آخر الأخبار
الرئيسية » تربية أخلاقية وأفعال خيرية » المسيحيون شركاء لا طلاب حماية: إلى أي مدى يعزز دور الكنيسة المصالحة الوطنية الحقيقية؟

المسيحيون شركاء لا طلاب حماية: إلى أي مدى يعزز دور الكنيسة المصالحة الوطنية الحقيقية؟

أسماء الفريح:

 

في رفضٍ واضحٍ وصريحٍ لادعاءات رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن حماية المسيحيين والدروز في سوريا، وعن انضمام كيانه لتحالف ناشئ من دول تدعم “المجتمعات المسيحية حول العالم، تلك المجتمعات المضطهدة التي تستحق مساعدتنا”، حسب زعمه، أكد بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر أن المسيحيين في المنطقة ليسوا طلابَ حماية.

 

تصريحات البطريرك يوحنا العاشر التي جاءت خلال كلمته في قداس رأس السنة الميلادية في الكاتدرائية المريمية في دمشق الخميس الماضي، شكّلت رداً غير مباشر على ادعاءات نتنياهو الممجوجة، ومحاولاته البائسة في اللعب على وتر “اضطهاد الأقليات” في سوريا، وتكراره الوقح بالتدخل من أجل توفير الحماية لهم، حيث شدد البطريرك على ضرورة الشراكة بين جميع أبناء الوطن في حمايته وبنائه.

 

وكان السيد الرئيس أحمد الشرع قال خلال تهنئته أبناء الشعب السوري بحلول العام الجديد عبر منصة “إكس”: “مع بداية عامٍ جديد نتطلع بكل أمل وتفاؤل إلى مستقبل مشرق تبقى فيه سوريا موحدة قوية ومستقرة، ويشارك فيها السوريون يداً بيد في البناء والتنمية، ليعمّ الخير والسلام والوئام في كل أرجائها”.

 

شركاء في حماية الوطن وبنائه

ولأنهم سوريون أولاً، ولهم دور مهم وأساسي وأصيل مثل بقية مكونات المجتمع في بناء الدولة الجديدة، وصون السلم الأهلي، وترسيخ قيم المواطنة، وتعميق الوحدة الوطنية، وتغليب المصلحة العليا للبلاد على المصالح الفئوية الضيقة، جاءت التأكيدات المستمرة من غبطة البطريرك يوحنا العاشر بأن المسيحيين جزء لا يتجزأ من هذه الأرض لا يمكن سلخهم عنها.

 

حيث شدد البطريرك في كلمته أثناء إقامة صلاة خاصة في كنيسة مار إلياس بمنطقة دويلعة بدمشق، استذكاراً لأرواح الضحايا الذين ارتقوا جراء التفجير الإرهابي الذي استهدف الكنيسة في حزيران الماضي، مؤكداً أن ما جرى لا يمثل سوريا ولا ينسجم مع أخلاق أبنائها، واصفاً العمل الإرهابي بأنه مرفوض من جميع الديانات والمبادئ الإنسانية.

 

وأكد أن المسيحيين والمسلمين في سوريا “يشكّلون نسيجاً اجتماعياً واحداً لا يمكن تمزيقه”، وأن مثل هذه الأفعال لن تنال من الوحدة بين أبنائها، ومبيناً أن وجود الجميع في هذه الصلاة يحمل رسالة دعم وعزاء لأهالي الضحايا ولكل السوريين، في رسالة واضحة منه أن آلام السوريين واحدة، وأن ما حدث لن يزعزع من إيمانهم وانتمائهم لبلد واحد يجمعهم في السراء والضراء.

 

ويقول الباحث والمحلل السياسي، ميلاد الأطرش، في حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية”: إنه في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تأتي رسالة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر لتكسر بوضوح خطاب “حماية الأقليات” الذي يُعاد إنتاجه كلما أرادت قوى خارجية تبرير تدخلها في شؤون المنطقة.

 

وأضاف أن التأكيد الصريح على أن المسيحيين ليسوا طلاب حماية ليس موقفاً دينياً بقدر ما هو إعلان سياسي واضح، يعيد تثبيت مفهوم الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع التفتيت والوصاية.

 

وتابع أن رسالة البطريرك تشكّل رداً مباشراً، وإن غير مسمّى، على تصريحات نتنياهو، التي حاول من خلالها تقديم إسرائيل كحامٍ للأقليات في الشرق الأوسط؛ هذا الطرح، الذي ثبت زيفه تاريخياً، لا يخدم سوى أجندات توسعية، ويحوّل التنوع الديني إلى أداة ابتزاز سياسي.

 

وأشار إلى أنه في هذا السياق يضع البطريرك النقاط على الحروف: المسيحيون جزء أصيل من مجتمعاتهم، وشركاء كاملون مع أبناء الوطن في حمايته وبنائه، لا ورقة تفاوض ولا ذريعة تدخل.

 

من جانبه، يقول غياث كنعو، صحفي ومدير مركزي منشق عن وزارة الإعلام منذ عام 2012، في حديث خاص للصحيفة: بدايةً، ما هذه المعزوفة التي لطالما أصمّت آذاننا وترددت على مسامعنا منذ عقود؟ لدرجة أن النظام البائد سوّق نفسه كحامي “الأقليات”، طبعاً ومن بينهم المسيحيين، معتبراً أن النظام المخلوع استطاع أن يقنع نسبة لا بأس بها من المسيحيين أن وجوده هو حماية لهم، وأن سقوطه يعني نهاية المسيحية في سوريا، فوجودهم مرتبط بوجوده.

 

وأضاف: لقد آن لهذه المعزوفة أن تنتهي في سوريا الجديدة، كي يتبدد هاجس الخوف لدى المسيحيين. ففي هذا السياق يجب أن يُفهم ما تفضل به سيادة البطريرك يوحنا العاشر يازجي، الذي حمل أكثر من رسالة، ليؤكد أن المسيحيين هم أبناء هذا الوطن الذي يتسع للجميع، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم كبقية أبناء هذا الوطن، وليسوا مجرد جماعة عابرة عليه كي يحتاجوا إلى حماية، بل إن ما يسعون إليه هو أن يكونوا مواطنين على درجة من المساواة مع باقي أطياف الشعب السوري، رافضاً مصطلح الأقلية الذي أُلصق بهم.

 

الشراكة الوطنية

تعد الشراكة الوطنية مهمة جداً لبناء سوريا الجديدة، وهي ترتكز على تجاوز الانقسامات بين مكونات المجتمع الواحد عبر تحقيق المساواة الحقيقية، وتعاون الجميع في عملية البناء عبر تطبيق العدالة الانتقالية ومعالجة مظالم الماضي، مع وجود آليات تشاركية من أجل تعزيز الانتماء وضمان التمثيل الصحيح.

 

وللتأكيد على تعزيز روابط التآخي بين جميع مكونات المجتمع السوري، وضرورة مشاركة الجميع في بناء الوطن، يقول الباحث الأطرش إن التشديد على الشراكة الوطنية بين جميع مكونات المجتمع السوري ليس ترفاً خطابياً، بل شرطاً وجودياً لبقاء الدولة.

 

وأضاف أن غياب هذا المفهوم هو ما فتح الباب أمام الانقسامات، وأضعف فكرة المواطنة، وسمح بتغلغل مشاريع خارجية قائمة على تفكيك المجتمع لا حمايته. وأوضح أن خطاب البطريرك، في هذا المعنى، يعيد الاعتبار لمعادلة واضحة: لا حماية خارج الدولة، ولا استقرار دون شراكة حقيقية بين مواطنيها.

 

بدوره، يقول كنعو إنه من هنا جاء تأكيد غبطة البطريرك يوحنا العاشر حول الشراكة الوطنية، فهي ليست مجرد شراكة في الحياة اليومية فقط، بل شراكة حقيقية في الدفاع عن الوطن، وكذلك شراكة في صنع القرار الوطني. وهذا يتطلب مشاركة فعلية، كما في الحقوق كذلك في الواجبات، ونكون بذلك قد أغلقنا الباب على نتنياهو وغيره ممن يريدون أن يكون مصطلح الحماية شماعة يعلقون عليها تدخلاتهم، مستغلين معزوفة الحماية ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية لسوريا.

 

وأشار إلى أنه من هنا يتأتى دور الكنيسة ودعوتها للشراكة الوطنية، ليس الأرثوذكسية فحسب، بل جميع الكنائس بمختلف طوائفها، كي تخلق الطمأنينة في نفوس المسيحيين جميعهم. علماً أن أغلبية المسيحيين الذين غادروا سورية حصل ذلك خلال فترة وجود النظام البائد نفسه منذ عام 1970 وحتى لحظة سقوطه، بحسب كنعو.

 

دور الكنيسة

خلال استقبال الرئيس الشرع للبطريرك يوحنا العاشر في قصر الشعب بدمشق في آب الماضي، جرى التأكيد على الدور الوطني للكنيسة في ترسيخ وتعزيز أواصر المواطنة والوحدة الوطنية، بما يسهم في صون السلم الأهلي وإرساء دعائمه على أسس راسخة من التفاهم والتآخي بين أبناء الوطن الواحد.

 

كما أكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات خلال لقائها بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في نيسان الماضي، أن للكنيسة الأرثوذكسية دوراً كبيراً على الأرض بما فيه الخير للسوريين، وخاصة بعد الاستبداد الكبير الذي عانى منه الشعب السوري زمن النظام المخلوع.

 

وأشارت إلى أن سوريا اليوم دولة حرية والجميع متساوون أمام القانون، والشعب السوري واحد، وأن العمل في المرحلة القادمة سيتركز على الشراكة بين جميع أطيافه.

 

ويبين الباحث الأطرش أن دور الكنيسة الأرثوذكسية، كما يقدّمه البطريرك، يعد دوراً سياسياً – أخلاقياً بامتياز، يتمثل في الوقوف ضد العنف، ورفض منطق الغلبة، والدفع باتجاه السلام القائم على العدالة لا على الأمر الواقع.

 

ويضيف أن هذا الدور يكتسب أهمية مضاعفة في سوريا، حيث الحاجة ملحّة لخطاب وطني يواجه الطائفية بدل مهادنتها، ويؤسس لمصالحة حقيقية لا شكلية.

 

التشبث بالأرض

شدد البطريرك يوحنا العاشر خلال قداس رأس السنة الميلادية على ضرورة التشبث بالأرض وعدم الاستسلام أمام المصاعب والتحديات، وقال: “لا نستغرب إن حلّت ظروف تؤدي بالبعض إلى التفكير بوجوب الاستسلام والهجرة، نحن لن نترك، ولن نستسلم لأي شيء”.

 

يقول كنعو: “عندما يشعر المسيحي أنه جزء من هذا الوطن، أعتقد أن ذلك يساعد الكنيسة على جعل رعيتها تتشبث بالأرض وتتمسك بالبقاء عليها”، مشيراً إلى أنه لطالما حمل المسيحي على أكتافه، عبر التاريخ، مسؤولية حماية الوطن والدفاع عنه، ولم يستسلم أمام جميع التحديات التي مرت على سوريا، لكنه في المحصلة يريد أيضاً أن يكون شريكاً فعلياً في تقرير مصيرها ومستقبلها، وليس مجرد مواطن من الدرجة العاشرة فيها.

 

من ناحيته، يقول الباحث الأطرش إن البطريرك يوحنا العاشر يذهب أبعد من الخطاب العاطفي، ليقدّم موقفاً سيادياً واضحاً: الهجرة الجماعية ليست حلاً، بل خطر وجودي يفرّغ البلاد من مكوناتها التاريخية.

 

ويؤكد أن رفض الاستسلام والتشبث بالأرض هنا ليسا مجرد خيار شخصي، بل موقف سياسي في مواجهة مشاريع تريد شرقاً بلا أهله، ودولاً ضعيفة بلا مجتمعات متماسكة.

 

ويختم الأطرش بالقول إن خلاصة رسالة البطريرك يوحنا العاشر أنها دعوة صريحة لرفض الوصاية، ومواجهة خطاب الحماية المسمومة، والتمسك بالدولة الوطنية القائمة على الشراكة والمواطنة، وهي رسالة لا تخص المسيحيين وحدهم، بل تمس جوهر مستقبل سوريا والمنطقة بأكملها.

 

أخبار سوريا الوطن١-الثورة

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإنسان بين الإيمان والإلحاد

السفير د. عبدالله الأشعل الإيمان والإلحاد متلازمان منذ بدء الخليقة وحتى يرث الله الأرض ومن عليها .وهامش الالحاد يتسع ويضيق بحسب العوامل والظروف المتعددة وواجبنا ...