آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » المكتبة الوطنية بدمشق.. كنوز المخطوطات بين الحفظ الورقي والرقمنة

المكتبة الوطنية بدمشق.. كنوز المخطوطات بين الحفظ الورقي والرقمنة

همسة زغيب

تُعتبر المكتبة الوطنية في دمشق أحد أهم البيوت الثقافية في البلاد ومكاناً يحتفظ بذاكرة تمتد عبر قرون تتنفس بين رفوفه حكايات الناسخين الأوائل وروح الباحثين المعاصرين وتتجاور فيه المخطوطات النادرة مع الكتب الحديثة في فضاء هادئ يذكّر الزائر بأنَّ المعرفة حياة تُصان وتُورَّث وليست مجرد صفحات وأنها جسر يصل الماضي بالحاضر ويمنح الطلاب والدارسين مرجعاً يثقون به ويعودون إليه كلما اتسعت أسئلتهم واشتد شغفهم بالبحث.

تنوّع المطبوعات النادرة

توضح فاطمة درويشة مديرة مديرية المخطوطات في المكتبة الوطنية لـ” الثورة السورية” أنَّ المطبوعات النادرة تمتد لتشمل اختصاصات متعددة ولا تنحصر بموضوع واحد فيما تحتل المطبوعات الحجرية مكانة خاصة لما تحمله من قيمة فنية وتاريخية، وتشير إلى أنَّ معايير الندرة لا ترتبط بالعمر فقط فكل كتاب تجاوز مئة عام يعتبر نادراً لكن بعض الكتب تكتسب قيمتها من عناصر إضافية مثل الصور النادرة أو الأختام والتواقيع العائدة لشخصيات تاريخية أو كونها نسخة فريدة لا يوجد منها سوى طبعة واحدة في العالم.

وتبيّن أنَّ رصيد المكتبة من المخطوطات يبلغ نحو 19400 مخطوط إضافة إلى 3600 كتاب نادر محفوظ في القسم ذاته وتتنوّع موضوعاتها لتشمل العلوم الدينية كالمصاحف وعلوم القرآن والحديث والفقه وعلوم اللغة العربية إلى جانب موضوعات كونية كالرياضيات والفلك والفلسفة والتاريخ والجغرافيا.

كما تشير درويشة إلى أهمية المخطوطات لأنَّها تعود إلى اعتبارات تاريخية وعلمية مثل مخطوط مسائل الإمام أحمد بن حنبل الذي لا يحمل تاريخ نسخ صريح لكنَّه يتضمن سماعاً يعود إلى سنة 266هـ ما يرجّح أنَّ نسخه تمَّ قبل التاريخ نفسه، ومخطوط صفة النار لابن أبي الدنيا المؤرخ بسنة 310هـ. كما تضمُّ المكتبة مخطوطات خزائنية كانت محفوظة في خزائن الملوك والسلاطين مثل مخطوط الشجرة المحمدية للجواني المنسوخ بإيعاز من السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة 645هـ، ومخطوط الحزب الأعظم والورد الأفخم للملا علي القاري وهو نسخة فاخرة تعكس مستوى عالياً من التميز والزخرفة.

ذاكرة محفوظة بعناية

أمَّا إجراءات الحفظ فتتمُّ في مستودعات مهيأة بشروط دقيقة بدرجة حرارة ثابتة تقارب 18 درجة ورطوبة بين 54 و56 درجة بتعاون مستمر مع قسم الترميم لمعالجة ما تضرر بفعل الزمن، وفيما يتعلق بالرقمنة تؤكد درويشة أنَّه تمَّ رقمنة جميع المخطوطات والكتب النادرة وأصبحت متاحة للباحثين ضمن إجراءات تثبت صفتهم العلمية سواء داخل سوريا أو خارجها حيث تُلبّى الطلبات عبر البريد الإلكتروني كما تعمل المكتبة على تطوير منصة إلكترونية تتيح الاطلاع على النسخ الرقمية ضمن ضوابط تحمي حقوق الحفظ وسلامة المحتوى من الاستخدام غير المشروع.

خدمات معرفية

وفي السياق نفسه توضح زبيدة ساق الله مديرة خدمات المستفيدين في المكتبة الوطنية في حديثها لـ “الثورة السورية” أنَّ ما شاهده الزوار في جناح المكتبة في معرض دمشق الدولي للكتاب 2026 كان جزءاً صغيراً من كنوز المكتبة، فالمؤسسة تحتفظ بمواد نادرة محفوظة بوسائل تقنية حديثة وتعمل على وضعها في متناول الباحثين وطلاب الدراسات العليا، كما تشير إلى أن التزام الناشرين بإيداع نسخ من مؤلفاتهم يجعل المكتبة مرجعاً شاملاً لكل ما يصدر داخل البلاد.

ثم توضح أنَّ قاعة المخطوطات تتيح للباحثين الاطلاع على الفهارس المتخصصة والصور الرقمية بما يمكّنهم من إنجاز دراساتهم دون تعريض الأصول الورقية للتداول المباشر كما جرى اختيار مجموعة من الكتب النادرة لإتاحتها للطلاب الذين يصعب عليهم الوصول إليها دعماً للبحث العلمي وتخفيفاً للأعباء المادية.

وتضيف، أنّ اختيار العناوين جاء بعد مراجعة دقيقة للنقص في بعض التخصصات العلمية، حيث عمل الفريق على تأمين كتب مهمة من معرض دمشق الدولي للكتاب وشملت العناوين مجالات مثل علم اللسانيات وعلم الصوتيات والموسوعات الفنية واللغوية والطبية والموسوعات العلمية الحديثة ومنها الذكاء الاصطناعي والكتب التربوية والروايات المترجمة والفهارس والمخطوطات بعناوين متنوعة بهدف توفير مصادر حديثة ومتقدمة تضمن وصول الجميع إليها.

وتصف ساق الله المكتبة بأنَّها مكان يحتفظ بطبقات من الهدوء والمعرفة حيث تبدأ رحلة الكتاب من المستودعات إلى التصنيف والفهرسة ثم إلى أيدي الباحثين الذين يغوصون في محتواها بحثاً وتحليلاً لتبقى المؤسسة حيّة تحفظ ما مضى وتفتح أبوابها لما سيأتي.

تقدّم المكتبة الوطنية في دمشق نموذجاً لمؤسسة ثقافية استطاعت أن تجمع بين التراث والحداثة وأن تحافظ على إرث مكتوب يمتد لقرون وفي الوقت نفسه تواكب التحولات الرقمية التي فرضها العصر. وبين مخطوط محفوظ بعناية وكتاب حديث يصل إلى رفوفها تبقى المكتبة شاهدة على أن المعرفة لا تفقد قيمتها وأن حفظ التراث مسؤولية ثقافية تُبقي الذاكرة حيّة وتمنح الباحثين نافذة واسعة على تاريخ طويل من الفكر والإبداع.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نظرة نقدية في كتاب “الرواية الحديثة” للدكتور حسام عتال

  شاهر أحمد نصر نظّم فرع طرطوس لاتحاد الكتاب العرب، مع نادي اقرأ يوم امس لقاء حول كتاب “الرواية الحديثة” للدكتور حسام عتال، كان محوره ...