آخر الأخبار
الرئيسية » منوعات » النرجس البري والبابونج والخبيزة.. مصدر دخل موسمي لعائلات في إدلب

النرجس البري والبابونج والخبيزة.. مصدر دخل موسمي لعائلات في إدلب

هدى الكليب

مع نهاية فصل الشتاء وبدايات الربيع تتحول الحقول والأراضي المفتوحة في ريف إدلب إلى مساحات خضراء تزهر فيها نباتات برية لطالما شكّلت جزءاً من الذاكرة الغذائية والطبية لسكان المنطقة، إلا أن هذه النباتات، وفي مقدمتها النرجس البري والبابونج والخبيزة، لم تعد عبارة عن أعشاب موسمية تُقطف للاستهلاك المنزلي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مصدر دخل مؤقت تعتمد عليه مئات العائلات في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات الفقر.

في القرى والمخيمات المنتشرة على أطراف المدن تخرج نساء مع ساعات الصباح الأولى، حاملاتٍ أكياساً قماشية أو بلاستيكية، متجهاتٍ إلى الأراضي الزراعية والسهول القريبة لجمع هذه النباتات، التي تُباع لاحقاً في الأسواق الشعبية أو على جوانب الطرقات بأسعار تختلف تبعاً للموسم والطلب.

وقالت فاطمة عبد الكريم، وهي أرملة وأم لأربعة أطفال تقيم في ريف إدلب الجنوبي، إن جمع الخبيزة والبابونج أصبح جزءاً من روتينها اليومي في هذا الوقت من السنة، حيث تبدأ خروجها إلى الحقول بعد شروق الشمس مباشرة وتستمر لساعات طويلة رغم البرد أحياناً وصعوبة التنقل.

وأضافت أن ما تجمعه في اليوم الواحد قد لا يتجاوز بضعة كيلوغرامات، لكنها تضطر لبيعها مهما كان السعر، لأن العائد، وإن كان بسيطاً، يساعدها في تأمين احتياجات أساسية مثل الخبز أو الخضار، خاصة أن هذا العمل لا يحتاج إلى رأس مال، ما يجعله الخيار الوحيد المتاح أمامها.

هذا العمل، رغم قسوته ومحدودية عوائده، بات خياراً اضطرارياً لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة لفاطمة، في ظل غياب المعيل وانعدام مصادر الدخل الأخرى، وبينما ينظر البعض إلى هذه الظاهرة بوصفها نشاطاً تراثياً، يرى آخرون أنها انعكاس مباشر للواقع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه المنطقة منذ سنوات.

خديجة الريا، وهي نازحة تقيم في مخيم رأس الحصن، أحد مخيمات ريف إدلب الشمالي، تعمل في قطاف النرجس البري وبيعه في الأسواق، تقول في حديثها لصحيفة “الثورة السورية” إن النرجس البري يُعد من أكثر النباتات طلباً في السوق لرائحته العطرة التي تدوم أياماً ولاستخدامه في الزينة، إلا أن جمعه يتطلب جهداً أكبر نظراً لبعد أماكن نموه وصعوبة اقتلاعه من دون إتلافه.

وتوضح خديجة أن النساء غالباً ما يتشاركن في الذهاب إلى الحقول لأسباب تتعلق بالأمان، إضافة إلى تقاسم تكاليف النقل في حال كانت المسافة بعيدة، مشيرة إلى أن العمل الجماعي يخفف من وطأة التعب لكنه لا يغيّر كثيراً من ضعف العائد المادي.

وبحسب خالد البر، أحد التجار في الأسواق الشعبية بإدلب، فإن سعر كيلو الخبيزة يتراوح بين 1 و2 دولار، فيما تصل أسعار ربطات النرجس البري إلى مستويات أعلى نسبياً، خاصة في ذروة الموسم، أما البابونج فيُعد من أكثر النباتات رواجاً نظراً لاستخداماته الطبية الواسعة، سواء كمشروب عشبي أو في الصناعات البسيطة، ويشير إلى أن الطلب على هذه النباتات يزداد مع تراجع القدرة الشرائية، إذ يلجأ كثير من الأهالي إلى البدائل الطبيعية بدلاً من الأدوية أو الخضار مرتفعة الثمن.

النشاط الموسمي ودوره في تحسين الدخل المحدود

تشير تقديرات محلية إلى أن مئات العائلات في ريف إدلب تعتمد جزئياً على جمع النباتات البرية خلال فصل الربيع، بسبب تراجع الدعم الإنساني وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وقال نقيب المهندسين الزراعيين في وزارة الزراعة مصطفى السعيد، في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، إن النباتات الموسمية مثل النرجس والبابونج والخبيزة تعد من الموارد الطبيعية التي يتجه كثيرون إلى قطافها بشكل موسمي، ولا سيما في الفترات التي تكون فيها في أوج ازدهارها.

وأضاف أن هذا النوع من العمل يشهد إقبالاً متزايداً في بعض المناطق التي تعتمد على هذه النباتات وسيلةً للرزق المؤقت، ويمكن اعتباره مصدر دخل لبعض الأسر التي لا تجد فرص عمل دائمة، إذ تُباع هذه النباتات في الأسواق المحلية أو تُستخدم في صناعات متعددة مثل الأدوية ومستحضرات التجميل والأعشاب الطبية التي تلقى رواجاً واسعاً.

وأشار إلى أن هذا النشاط قد يشكل مورداً معيشياً للمجتمعات المحلية، إلا أنه يتطلب تدابير تضمن الاستدامة البيئية وتحقيق التوازن بين العوائد الاقتصادية والحفاظ على الطبيعة للأجيال القادمة، مؤكداً أهمية وضع آليات تنظيمية تشجع على حماية التنوع البيولوجي في المناطق التي تنمو فيها هذه النباتات، إضافة إلى توعية الأهالي بكيفية تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية وحماية البيئة.

ويرى السعيد أن تحويل النباتات البرية مثل النرجس والخبيزة والبابونج إلى مصدر دخل موسمي غير منظم قد تكون له آثار اقتصادية محلية وإقليمية، منها تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل موسمية للسكان وجامعي النباتات والعمال الذين يعتمدون على جمعها في فترات محددة من السنة، كما يمكن أن تسهم هذه النباتات في دعم المشاريع الصغيرة مثل معامل الأعشاب أو المراكز التي تحولها إلى منتجات نهائية كالزيوت العطرية والشاي ومستحضرات التجميل.

وعن تأثيرها السلبي على الإنتاجية الزراعية، أوضح أن الضغط على البيئة الطبيعية قد يؤدي إلى تراجع التنوع البيولوجي أو تهديد بعض الأنواع المحلية نتيجة الجمع المفرط، ما يؤدي إلى تقلص أعداد النباتات البرية في المناطق الطبيعية ويعرضها للخطر.

ويقترح السعيد تفعيل التنظيم والإشراف، بحيث توضع سياسات تضمن جمع هذه النباتات بشكل مستدام، مثل إنشاء برامج لتدريب المجتمع المحلي على القطاف المسؤول، بما يقلل الآثار السلبية ويحسن دخل العاملين، كما دعا إلى البحث في القيمة المضافة لهذه النباتات عبر استخراج مواد فعالة تدخل في الصناعات الطبية والعلاجية، ما يعزز قيمتها في الأسواق، إضافة إلى إدخال تقنيات التحسين الزراعي المستدام وتحسين سبل التسويق المحلي والدولي وتحفيز المجتمع المحلي من خلال مشاريع صغيرة ومتوسطة لمنتجات هذه النباتات، بما يدعم الاقتصاد المحلي ويوفر فرص عمل أكثر استدامة.

ويرى أن السياسة الأنسب تتمثل في مزيج من تنظيم مدروس لعمليات القطاف مع توفير بدائل اقتصادية للعاملين عند الحاجة، عبر تطوير قطاعات أخرى كالصناعات التحويلية وتحسين فرص العمل المرتبطة بها.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“كسوف حلقي للشمس” يتزامن مع ولادة هلال شهر رمضان المبارك

دينا عبد: يترقب الملايين من المسلمين حول العالم لحظة تحري هلال شهر رمضان المبارك إيذاناً ببدء شهر الصيام والإيمانيات والطاعة، في أجواء رمضانية تتجدد كل ...