أقام «منبر فلسطين» قبل أيام ندوةً فكريّة سياسيّة بعنوان «تداعيات طوفان الأقصى وحرب الإسناد على الكيان الصهيوني – الهجرة المعاكسة»، في «مؤسّسة سعادة للثقافة»، في بيروت بمشاركة الباحث عباس إسماعيل والكاتب الفلسطيني سعادة مصطفى أرشيد (عبر الزووم) من فلسطين.
استُهلّت الندوة بكلمة مؤسّس «منبر فلسطين» توفيق مهنا، رحّب فيها بالحضور وأعرب عن شكره لمؤسّسة سعادة لاستضافتها الندوة. ثم ألقت سمر ناصرالدين كلمة المنبر، معتبرة أنّ شعب فلسطين قاوم على مدى قرن الغزوة الصهيونية المدعومة من أعتى الإمبراطوريات الاستعمارية، وما يزال يقاوم رغم الهزائم، مؤكّدة على أنّ العدو لم يستطع إنهاء الوجود الفلسطيني أو إسقاط توق الأجيال إلى تحرير الأرض، وأنه لن ينعم بالأمان والاستقرار ولن يتمكّن من تصفية القضية بهدف إقامة «مملكته التوراتية» المزعومة.
وأشارت إلى أنّ العدو هُزم واندحر في أكثر من محطة بالمقاومة، منذ عام 1948 وما سبقها من انتفاضات وثورات، مروراً بالحروب العربية ـ الإسرائيلية وما نتج منها من تداعيات مأساوية، وصولاً إلى تحطيم مشروع «إسرائيل الكبرى» بعد اجتياح لبنان، وانكساره في حرب تموز 2006، وفي محاولات تجديد هذا المشروع اليوم لتغيير وجه ما يُسمّى بالشرق الأوسط. وفي كل هذه المحطات، تلقّى العدو انتكاسات وخسائر واستبدّ به القلق لعجزه عن تحطيم إرادة المقاومة.
واعتبرت أنّ الصدمة الكبرى لكيان العدو جاءت من بوابة غزّة بعملية «طوفان الأقصى» ومن لبنان بجبهة الإسناد، ما كشفَ للعالم إرادة الشعب الفلسطيني وتضحياته، وأدّى إلى اهتزاز الكيان ووقوفه على حافة الانهيار، وفرض هجرةً معاكسة على المستوطنين من جنوب فلسطين وشمالها، وإحباط مشاريع استقدام هجرات يهودية جديدة. كما أشارت إلى تصاعد حملات التضليل والتيئيس لجرّ الفلسطينيين نحو التفاوض والتطبيع، في تجاهل لما لحق بالعدو من خسائر وما افتُضح من إرهابه أمام الرأي العام العالمي.
وقدّم الباحث عباس إسماعيل مطالعةً إحصائية علمية حول الهجرة المعاكسة من الكيان الصهيوني وتأثيرها في الوافدين إليه، مستنداً إلى معطيات مراكز أبحاث إسرائيلية. واستعرض مفهوم الهجرة ودلالاتها في المعيار القانوني للكيان، وتتالي موجات الهجرة منذ عام 1948 مميّزاً طبيعتها. كما تناول واقع الهجرة بعد عملية «طوفان الأقصى» وحرب الإسناد، مشيراً إلى أنّ عام 2024 شهد تعريف أكثر من 82 ألف إسرائيلي كمهاجرين إلى الخارج، مع تضاعف شبه كامل في ميزان الهجرة السلبي مقارنة بعام 2023.
وبيّن أنّ أكثر من 34 ألفاً من المغادرين كانوا من مواليد الكيان، وأنّ نحو نصف المتزوجين غادروا مع الزوج أو الزوجة. وأظهرت بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية ارتفاعاً حاداً في هجرة اليهود إلى الخارج عام 2024، إذ عُرّف 82,774 إسرائيلياً كمهاجرين مغادرين، بزيادة تقرب من 40 في المئة مقارنة بـ59,366 في عام 2023. بالتوازي، انخفض عدد العائدين إلى الكيان إلى 24,150 في عام 2024، بتراجع 18 في المئة مقارنة بالسنة السابقة.
وبلغ ميزان الهجرة السلبي 58,624 إسرائيلياً، أي قرابة ضعف الرقم المسجّل في عام 2023 (29,759)، مع معدل مغادرة بلغ 8.5 لكل ألف من السكان. وتشير معطيات عام 2025 إلى استمرار الاتجاه نفسه بوتيرة أكثر اعتدالاً، إذ عُرّف نحو 70 ألف إسرائيلي كمهاجرين مغادرين و19 ألفاً كعائدين، ليبلغ الميزان السلبي نحو 50 ألفاً. كما كشفت البيانات عن رابط مباشر بين اندلاع حرب «السيوف الحديدية» وموجة الهجرة، إذ شكّل تشرين الأول (أكتوبر) 2024 شهر الذروة بتعريف 14,800 إسرائيلي كمهاجرين، مقارنة بنحو 4000 فقط في تشرين الأول (أكتوبر) 2023.
وخلُص إسماعيل إلى أنّ الهجرة من الكيان منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية بلغت 400 ألف مهاجر، وفق ما نشرته صحيفة «معاريف» العبرية في 4 شباط (فبراير) 2026.
بدوره، قدّم الكاتب الفلسطيني سعادة مصطفى أرشيد مداخلة تناولت المراحل التاريخية لهجرة اليهود إلى فلسطين، مشيراً إلى أنّ الصهيونية روّجت لمشروعها من خلال خطاب المظلومية والاضطهاد الذي تعرّض له اليهود في روسيا وشرق أوروبا، واستحضار سرديات محاكم التفتيش في إسبانيا والنازية في ألمانيا، لتقديم فلسطين باعتبارها «الملاذ الآمن» لليهود.
وقد تحقّق ذلك لمدة حين غاب المشروع القومي المضاد، قبل أن تهتزّ نظرية الملاذ الآمن مع تحرير جنوب لبنان ثم حرب 2006، وتنهار نهائياً بعد «طوفان الأقصى»، ما فتح الباب أمام الهجرة المعاكسة بعدما باتت فلسطين المحتلة، بفعل المقاومة الفلسطينية واللبنانية، المكان الأكثر خطراً على اليهود في العالم.
وأشار إلى أنّ نتائج الحروب لا تُحسب وفق قواعد الرياضيات البحتة؛ فمع كل الخسائر والدمار في غزّة وسقوط أكثر من 100 ألف شهيد، بقي الغزي ملتفاً حول المقاومة ومتمسكاً بأرضه، فيما يواجه الإسرائيلي شعوراً بالهشاشة وانكسار صورة الجيش الذي لا يُقهر والأمن الذي لا ينام. واعتبر أنّ هذه الصدمة الداخلية ليست عابرة، بل أدّت إلى انهيارات نفسية عميقة تتجلّى أبرز مظاهرها في الهجرة المعاكسة.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
