آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » اليوم العالمي للاحتفال باللغة الأم

اليوم العالمي للاحتفال باللغة الأم

 

 

 

بقلم الأستاذ الدكتور محمود أحمد السيّد

*رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق

 

 

 

تجدر الإشارة إلى أن ثمة يومين عالميين للاحتفال باللغة العربية أولهما هو الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية في الثامن عشر من شهر كانون الأول من كل عام، وثانيهما الاحتفال بيوم اللغة الأم في الحادي والعشرين من شهر شباط من كل عام.

وإذا كان الاحتفال الأول متعلقاً باللغات الست المعتمدة في الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، ولغتنا العربية الفصيحة هي من بين هذه اللغات الست إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية، فإن الاحتفال الثاني موجّه إلى الدول الأعضاء في المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو».

ولما كانت لغتنا العربية، لغة الضاد، هي اللغة الجامعة الشاملة لأبناء الأمة العربية الإسلامية كانت أمهم الحانية ولسانهم العربي المبين الذي نزل به الروح الأمين على قلب الرسول العربي الكريم (ص)آية لنبوته، وتأييداً لدعوته، ودستوراً لأمته. وطالما تغنى الشعراء بهذا اللسان العربي الجامع، فها هو ذا الشاعر حليم دموس يقول:

لغة إذا وقعت على أسماعنا..

كانت لنا برداً على الأكباد

 

ستظل رابطةً تؤلف بيننا..

فهي الرجاء لناطقٍ بالضاد

 

وها هو ذا الشاعر بدوي الجبل يقول:

للضاد ترجع أنسابٌ مفرّقةٌ..

فالضادُ أحسن أم برّةٍ وأبِ

 

تفنى العصور، وتبقى الضاد خالدةً..

شجاً بحلق غريب الدار مغتصبِ

 

وجميل جداً محبة شاعرنا نزار قباني لغته العربية وتبيان أبعادها ووظائفها إذ يقول:

إني أحبك كي أبقى على صلةٍ..

بالله، بالأرض، بالتاريخ، بالزمنِ

 

أنت البلاد التي تعطي هويتها..

من لا يحبك يبقى دونما وطنِ

 

وما أروع قول أمير الشعراء في قصيدته التي وجهها لأبناء سورية إبان الاحتلال الفرنسي لها في عشرينيات القرن الماضي:

بني سورية اطرحوا الأماني..

وألقوا عنكم الأحلام ألقوا

 

نصحت ونحن مختلفون داراً..

ولكن كلنا في الهم شرق

 

ويجمعنا إذا اختلفت بلادٌ..

بيانٌ غير مختلف ونطقُ

 

وينبغي لنا أيها الأحبة أن نفرّق بين اللغة الأم ولغة الأم، فنحن متفقون على أن لغتنا العربية الفصيحة هي اللغة الأم الجامعة الموحّدة بين أبناء الأمة، شأنها في ذلك شأن الأم التي تحنو على أبنائها، وتشملهم برعايتها وعنايتها وتربيتها حباً وعطفاً واهتماماً. أما لغة الأم فقد تكون اللهجة العامية، واللهجة العامية ليست لغةً ولا شاملةً فقد يكون ثمة فرق في معاني المفردات العامية بين المحافظات في القطر الواحد، وليس لنا من رابطةٍ جامعةٍ وشاملة إلا الفصيحة تجمع بيننا، وتوّحد شملنا وكلمتنا.

وعندما أحست الولايات المتحدة الأمريكية بخطورة هذا الأمر، أي اعتماد مصطلح اللغة الأم، ضغطت على المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) لتعدل في قرارها الموزع على الدول الأعضاء، ودعتها إلى وضع لغة الأم مكان اللغة الأم، لأن العربية الفصيحة هي اللغة الأم، وليست اللهجة العامية للأم، هادفة من وراء ذلك إلى إحياء اللهجات العامية من جهة، وإلى دعوة مكونات عدة من أبناء الأمة العربية الإسلامية إلى أن يتخلوا عن العربية في تعليم أبنائهم، وأن يعملوا على أن يعلّموا أبناءهم بلغة الأم، وقد تكون أمازيغية أو كردية، أو شركسية، أو أرمنية…الخ. وأمتنا العربية من قبلُ احترمت لغات الآخرين وقدّرت أصحابها ومتكلميها، وهي الآن تنحو منحى ماضيها المتألق، فسوريتنا يعلّم المكوّن الأرمني الوطني فيها أبناءه لغتهم الأم الأرمنية إلى جانب العربية، والمرسوم الحكيم الذي أصدره السيّد رئيس الجمهورية أحمد الشرع يرمي إلى السماح لأبناء المكوّن الكردي الوطني أن يعلّموا أبناءهم باللغة الكردية، وفي الجزائر عدت اللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، ولا ضيرَ من أن تعلّم المكونات الوطنية غير العربية أبناءها باللغة الأم لها في مدارس خاصة لها، وهذا حق من حقوقها، ولكن اللغة الرسمية الجامعة التي نص عليها دستور البلاد هي اللغة العربية لأنها هي التي توّحد بين جميع المكونات الوطنية فكراً ونزوعاً وأداءً ورؤىً ومشاعر وآلاماً وآمالاً، تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، وهي ذاكرة الأمة العربية، ومستودع تراثها، وهي قلعتنا الحصينة للذود عن هويتنا وذاتيتنا الثقافية، والهوية هي الانتماء، إذ إن الحاجة إلى الهوية لا تنفصل عن حاجة الإنسان إلى الانتماء، فالانتماء صفة أصيلة للهوية، وإذا تلاشت الهوية تلاشى الانتماء، وهويتنا العربية هي انتماء إلى لساننا العربي، إلى قرآننا العربي، وتراثنا العربي وتاريخنا العربي وأرضنا العربية، ويبقى للغتنا الدور الأكبر في حمل هذه الهوية وتبيان طابعها.

ومن هنا كان علينا أن نكون واعين جداً، ومدعوين جميعاً للوقوف أمام التحديات التي تواجهها لغتنا الأم بمناسبة الاحتفال بيوم اللغة الأم لا لغة الأم. إذ إن من حق المكونات الوطنية على الأرض العربية أن تحتفي بلغتها الأم إلى جانب اللغة العربية باعتبارها الرسمية في الدولة إلى جانب أنها لغة القرآن الكريم والموحدة للجميع، مع الأخذ بالحسبان أن ثمة أعلاماً كباراً مشهورينَ خدموا اللغة العربية من غير أبنائها العرب، وتاريخنا العربي زاخرٌ بهؤلاء الأعلام الكبار، ولسنا في مجال العدّ والحصر، فهذا كله معروفٌ لديكم. من أمثال سيبويه وابن سينا والخوارزمي والرازي وابن الرومي…الخ.

ويجيء في قمة هذه التحديات إحياء اللهجات العامية من جهة واستبدال اللغة الأجنبية بالعربية في العملية التعليمية ، وتحريض المكونات غير العربية للسعي إلى إحلال لغتهم الأم مكان العربية على الأرض العربية، وما من ريب في أن ذلك كله يؤدي إلى تهميش للغتنا الأم العربية الفصيحة وتقهقرها، وفي التقهقر درب نحو الاندثار والزوال لا قدّر الله، ولكننا متفائلون بصمود لغتنا الأم أمام التحديات كافة، وطالما تعرضت لغتنا العربية في مسيرة حياتها إلى محن ونكبات، وكانت هي الغالبة والمنتصرة والخالدة، وسبحان رب العالمين الحافظ الأمين لهذه اللغة في قوله: {إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون} صدق الله العظيم (الآية 9 الحجر). إلا أن علينا واجب العمل لحماية اللغة، وألا نكتفي بالقول وهو القائل سبحانه وتعالى: {وقل اعملوا، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} (الآية 105 التوبة) ، وينبغي أن يكون الأمن اللغوي في عصرنا الحالي في محط اهتمام دولنا العربية كافة في مشرق الوطن العربي وفي مغربه، إذ لا عز للغة يتعرض أمنها للعدوان من جهات عدة داخلية وخارجية، والاعتداء عليها من أبنائها عندما يتسمون بعدم الاهتمام بها، وتفضيل لغات أجنبية عليها، واستعمال العربيزي (أو “الفرانكو”هي لغة غير رسمية تستخدم حروفاً لاتينية وأرقاماً لكتابة كلمات عربية)في أداءاتهم التواصلية أدهى وأمر من الاعتداءات الخارجية، إذ لا شيء أقسى من عقوق الأبناء لأمهاتهم، ولا شيء أشد إيلاماً من تباهي بعض شرائح المجتمع المخملي بكفاية أطفالهم في الروضة من الكلام باللغة الأجنبية لا بالعربية، علماً بأن مرحلة رياض الأطفال والحلقة الأولى من التعليم الأساسي هي المرحلة الذهبية لإتقان الأطفال التكلم بالقوالب اللغوية الصحيحة التي تترسخ على الألسنة والأقلام بالصورة الرضية من دون الدخول في المصطلحات النحوية، إذ يكفي أن ينطق الطفل البنية اللغوية صحيحة على لسانه نتيجة التكرار المستمر والممارسة المؤدية إلى تشكيل المراتب الأولى من المهارة اللغوية، مع الأخذ بالحسبان أن المهارة اللغوية لا تتكون لدى متعلمينا إلا بهذا الشرط الأساسي المتمثل في المران والممارسة والتكرار على أن يكون المعلم مرشداً وموجهاً ومثالاً في تعليمه لتلك القوالب اللغوية وأنماطها، وحاثاً ومشجعاً ومقوّماً بالرفق والحنان لأداء متعلميه، وحبذا لو كان ثمة تعاون وتكامل بين البيت والمدرسة في هذه العملية التكوينية للمهارة اللغوية، على أن تقوم المدرسة بسدّ هذه الفجوة إذا كان ثمة أمية لدى الأهل، والأم الواعية المتعلمة لها دور كبير في هذا المجال، ورحم الله جبران خليل جبران القائل: أم متعلمة راقية أمة راقية.

وإذا كان لي من كلمةٍ أخيرة في هذا المجال فإنني أدعو إلى أن نعلّم أطفالنا منذ نعومة أظفارهم في رياض الأطفال حفظ آيات من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر العربي السهل والجميل والبهي، فهذا كله يقوّم اللسان، وإن لم يفهم أطفالنا الصغار المعاني فسيفهمونها في مراحلَ تالية، ولكن يساعدهم ذلك كله على ترسيخ البنى الأساسية والأنماط اللغوية السليمة على ألسنتهم وأقلامهم، وهذا ما أدركته لاحقاً من تجربتي التربوية إذ إنني أعدّ المراحل الأولى من حياة متعلمينا هي العصر الذهبي لاكتساب اللغة العربية الفصيحة، وإن كنت من الداعين من قبل إلى عدم تعليم أبنائنا إلا ما يفهمونه ويتمثلونه ويستوعبونه، ولكن ما أدعو إليه الآن هو نتيجة تجربتي التربوية الطويلة.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جمال ويارا وفارس ومكسيم: المعارضة السورية على الشاشة… عودة مباركة؟

  رشا فرج     في موسم رمضان 2026، تعود وجوه سورية معارضة إلى الواجهة الدرامية بعد سنوات من الغياب أو التهميش. بين أدوار مركّبة ...