| علي عبود
فجأة ودون مقدمات بدأت الطاولة التي كنت أتناول عليها فطور الصباح تتراقص أمامي وكأنّها قد أصيبت بهستيرية أو نوبة عصبية شديدة !
وشعرت بالسرير من تحتي وكأنه يتهاوى، وخُيّل إليّ أنّ الغرفة تتمايل وأنّها آيلة للسقوط لامحالة!
ولاأدري كيف هرعت نظراتي عبر النافذة إلى الخارج دون أن أبرح مكاني لأرى مشهدا فريدا لم يسبق أن رأيته من قبل :الأبنية تتمايل أو تهتزّ لاأدري!
كلّ شيئ حصل بسرعة لاتترك للمرء تشغيل عقله، واعتقدت انّني أصبت بدوار شديد ..
ولم أدر ماأفعل !
ومع أنّ الأمر برمّته لم يستغرق سوى ثوان معدودة إلاّ أنّ ماشعرت به كان يشبه زمنا بحاله !
وعندما نهضت أخيرا لأتبين حقيقة ماحدث: هل هو دوار أم شيئ آخر .. كان الأمر قد أصبح واضحا:
إنها هزّة شديدة .. وماذا تتوقّع أن يكون ذلك سوى هزّة وأنت في اليابان ؟!
وعرفت لاحقا، اّنها واحدة من الهزّات الأرضيّة، التي تتعرّض لها الكثير من مدن اليابان يوميا، وبخاصة طوكيو، بعضها خفيف بالكاد يشعر به اليابانيون بحكم العادة ، وبعضها الآخر متوسط الشدّة كالتي شعرت بها صباح أحد أيّام آب من عام 1990 عندما كنت في زيارة صحفية لليابان لمدة شهر كامل.
وعندما خرجنا من الفندق الذي أقيم فيه مع زملائي، وهو يقع في مدخل منطقة ( غينزا ناين ) وسط طوكيو كان لكلّ منّا حكايته الخاصة حول سلوكه، أو بالأحرى ، ردّة فعله حين فوجئ بالهزةّ!
نبيل الصحفي الشاب في جريدة الأهرام المصرية قال انه كان يأخذ ( دشا باردا ) استعدادا للخروج ، وكان أوّل شيئ فعله عندما شعر بأنّه فقد توازنه، والأرض تميد من تحت قدميه، هو الجري بسرعة من الحمّام لارتداء ملابسه !
زميلنا سمير الصحفي في جريدة الأخبار المصرية كان لايزال في فراشه عندما وقعت الهزّة، وكانت ردّة فعله المباشرة سحب الغطاء إلى قمّة رأسه، وقبع في السرير بانتظار النتائج !
ورفض زميلنا أسامة العامل في وزارة الإعلام الإماراتية أنّ يروي لنا ردّة فعله المباشرة وكان كلّما سألناه يردّ علينا بابتسامة ماكرة
وهكذا تنوّعت ردود الأفعال حول حدث تعرّضنا له لأوّل مرّة، ولكن اكتشفنا حقيقة واحدة على الأقلّ، وهي انّ الزلازل عندما تقع لاتترك لمن يتعرّض لها وقتا كافيا للتّصرف بعقلانية .. بل ماهو التصرف أو الفعل العقلاني الذي يمكن أنّ يمارسه الإنسان خلال ثوان سوى ردّ الفعل الإنعكاسي؟
وبعد ساعتين فقط من حدوث الهزّة الصباحية تعرضنا لهزّة ثانية لاتقلّ عنها شدة!
وقد شعرنا بالهزّة الثانية عندما كنّا في المركز الياباني للصحفيين الأجانب، وكان الصّوت الذي واكب ،
أو ربما أعقب الهزّة لافتا للسمع !
لقد اهتزّت القاعة أوّ بالأحرى تمايلت بشدة وتراقصت أمامنا أكواب المياه، وصحون السجائر، وتزحلقت الأوراق والأقلام باتجاهات مختلفة!
وحصل كلّ ذلك خلال ثوانٍ قليلة أو بلمح البصر.. !
نظرنا نحن العرب إلى بعضنا البعض باستغراب، مازجه الخوف مما حصل وسيحصل بعد قليل!
ولكن مازاد من استغرابنا من جهة وأزاح الخوف الذي تجّسد في عيوننا من جهة أخرى، أنّ الأستاذ الجامعي الذي كان يلقي علينا محاضرة حول التجارة الخارجية لليابان، تابع موضوعه دون أيّ توقف يذكر، وكأنّ شيئا لم يحصل !
ويبدو أنّ الخوف الذي ارتسم طويلا في عيوننا، والذي سرعان ماتحوّل إلى نظرات استغراب، واستفسار لعدم اهتمام المحاضر مع زملائه اليابانيين في القاعة، قد استرعى انتباه مسؤولة العلاقات العامة والمشرفة على برنامج زيارتنا، بدليل انّها استأذنت بأدب شديد من الأستاذ المحاضر، وتوجّهت إلينا مبتسمة :
أنتم في اليابان.. لاتقلقوا من الزلازل!
وأضافت بابتسامة محببة: لاشيئ يدعو إلى القلق إنّها مجرّد هزّة عادية من مجموعة هزّات تحدث عندنا يوميا تقريبا في طوكيو !
وسألنا بصوت واحد : وهل هذه هزّة عادية ؟
وكأننا كنا نريد أنّ نسألها ولكننا خفنا من الجواب :وماهي الهزّة القوية إذن .. وهل يمكن أن تحدث قريبا ونحن في اليابان ؟
ولم يخطر على بالي حينها إن زلازل قوية ستضرب مصر وتركيا بعد عدة سنوات، وبإن جميع السوريين غير المستعدين نفسيا وإنشائيا يرددون بعد الزلزال الأخير: نحن في سورية لسنا بقلقين فقط، بل مرعوبين جدا من الزلازل!
(سيرياهوم نيوز3)