خلال أكثر من ثلاثة أشهر، كان يبدو أن ما يقسم السوريين أكثر بكثير مما يوحدهم. لكن الغارات الإسرائيلية الأخيرة على مناطق متفرقة من البلاد، أعاد فتح صندوق الذاكرة الجمعية السورية على قواسم مشتركة تعود إلى كتاب القصص القصيرة «الحق لا يموت» في المدارس السورية. جمع الكتاب بين دفتيه حكاية البارودة في وجه العدو، وهي نفسها البارودة التي حملها عدد من شباب درعا لمواجهة محاولات التوغل البري الإسرائيلي بعد الغارات العنيفة لسلاح جو العدو.
وفي جو من اليأس الثوري، أشعلت مقاطع فيديو قصيرة لتكبيرات تدعو للجهاد ضد العدو الإسرائيلي، وأخبار عن حمل شباب نوى في ريف درعا السلاح لمواجهة العدو، منصات التواصل الاجتماعي التي بدأت بالتوحد خلف البارودة الحورانية التي غنى لها ابن السويداء الفنان فهد بلان «عالبال بعدك يا سهل حوران.. شرشف قصب ومطرز بنيسان»، التي شكلت موضوعاً لعدد كبير من المنشورات حول الأخبار القادمة من الجنوب السوري.
ورغم الجراح التي أثخنت السّاحل السوري خلال المجازر الأخيرة التي تعرض لها بتحريض طائفي ودعوات للجهاد ضدهم من قبل بعض الجوامع، إلا أنّ أخبار إعادة الدعوات إلى مكانها الصحيح ضد العدو الإسرائيلي، وليس ضمن أبناء البلد الواحد، دفع معظمهم إلى التهليل لأبناء درعا والدعاء لهم بالحفظ والرعاية، والإشارة إلى أنّ «قلب الساحل في الجنوب»، فكانت فرصة مهمة لإسكات الأصوات التي تنادي بالانفصال.
وتصدرت تعليقات تُدين استخدام وصف «قتلى» للتعبير عن ضحايا القصف الإسرائيلي من قبل «تلفزيون سوريا»، فيما طالب بعض المتابعين صفحة جريدة «الوطن» الخاصة، التي استولت عليها وزارة الإعلام أخيراً على فايسبوك تصحيح خبرها الذي يقول «سقوط شهداء»، مؤكدين أن الشهداء يرتقون ولا يسقطون.
بارودة هو كل ما احتاجه السوريون لإعادة الكشف عن مخزون جمعي لا يزال يحفظ قصة «أم سعد» لغسان كنفاني، ويعرف أنّ تل الحارة وكويا وجبل الشيخ أكثر من مجرد أسماء قرى ونقاط في المنطقة الجنوبية السورية، بل أسماء تختزن معاني المقاومة وتحرير الأرض وذكريات وحدة السلاح في مواجهة العدو. وبذلك تصبح البواريد التي يحملها شباب درعا اليوم امتداداً لبارودة سعد. واللافت أنّ قصة «أم سعد» التي كانت جزءاً من المنهاج السوري للأجيال التي صارت شباب ورجال سوريا اليوم، كان غسان كنفاني كتبها بعد مرور سنتين على نكسة 1967، فجاءت رسالة ضد اليأس، ووصية للتوحد، وإعادة ترتيب أوراق المقاومة بدل الهجرة والانقسام، وريما هذا ما يحتاجه السوريون اليوم.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-الأخبار