في خطوة جريئة لتعزيز الاستدامة البيئية ومكافحة التغير المناخي، وافقت باريس على خطة طموحة لإغلاق 500 شارع أمام حركة المرور، واستبدالها بمساحات خضراء مزروعة بالأشجار والنباتات. هذه المبادرة، التي حظيت بدعم شعبي واسع، تأتي في إطار جهود رئيسة بلدية باريس، آن هيدالغو، لجعل المدينة أكثر ملاءمة للعيش، رغم الجدل الذي تثيره بين المؤيدين والمعارضين.
تصويت شعبي لصالح التغيير
حصل الاقتراح، الذي قدمته هيدالغو، على دعم ما يقرب من 66% من الأصوات في استفتاء غير ملزم، حيث شارك السكان الذين تبلغ أعمارهم 16 عامًا فما فوق في عملية التصويت. يرى أنصار المشروع أنه خطوة ضرورية لتحسين جودة الحياة في باريس وتقليل التلوث، بينما يحذر معارضوه من أنه قد يؤدي إلى تفاقم صعوبات التنقل داخل المدينة، ويزيد من التوتر بين سكان باريس والمقيمين في الضواحي.
رؤية “مدينة الـ15 دقيقة”
تتماشى هذه الخطة مع مفهوم “مدينة الـ15 دقيقة”، الذي تسعى باريس إلى تحقيقه، حيث يمكن للسكان الوصول إلى جميع احتياجاتهم الأساسية سيرًا على الأقدام أو بالدراجة أو باستخدام وسائل النقل العام خلال ربع ساعة فقط. هذا النموذج الحضري، الذي يزداد رواجه في أوروبا، يهدف إلى تقليل الازدحام المروري وتحسين جودة الهواء في المدن.
التحديات والانتقادات
ورغم أن المشروع حظي بتأييد الناخبين، إلا أن هناك انتقادات حول غموض تفاصيله، لا سيما فيما يتعلق بالتكاليف المتوقعة وتأثيره الفعلي على التنقل داخل المدينة. كما أشار بعض الخبراء إلى أن الأشجار الجديدة التي سيتم زراعتها لن تقدم الفوائد البيئية ذاتها التي توفرها الأشجار القديمة، داعين إلى التركيز على حماية المساحات الخضراء الحالية بدلًا من الاكتفاء بزرع أشجار جديدة.
تحولات جذرية في المشهد الحضري
شهدت فترة ولاية هيدالغو تغييرات كبيرة في سياسة النقل داخل باريس، شملت إنشاء أكثر من 340 ميلًا من ممرات الدراجات، وإزالة عشرات الآلاف من مواقف السيارات الخارجية، مما أدى إلى انخفاض حركة مرور السيارات بنسبة تفوق 40% منذ عام 2011. كما صوت سكان باريس سابقًا على قرارات مشابهة، مثل حظر تأجير الدراجات البخارية الكهربائية عام 2023، وفرض رسوم جديدة على سيارات الدفع الرباعي الملوثة للبيئة.
الخطوات القادمة
من المتوقع أن تستغرق عملية تحديد الشوارع المؤهلة لإعادة التأهيل وإجراء الدراسات اللازمة نحو ثلاث سنوات قبل تنفيذ المشروع بالكامل. ومع استعداد هيدالغو لمغادرة منصبها العام المقبل، قد تكون هذه المبادرة آخر خطواتها الكبرى في تحويل باريس إلى نموذج عالمي للمدن المستدامة.
بينما يتطلع البعض إلى مستقبل أكثر خضرة للمدينة، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن باريس من تحقيق هذا التحول دون المساس بجودة حياة سكانها أو التسبب في أزمات تنقل جديدة؟
اخبار سورية الوطن 2_وكالات ـراي اليوم