آخر الأخبار
الرئيسية » الزراعة و البيئة » بعد موسم مطري استثنائي.. هل السدود السورية جاهزة لتحمل الضغط؟

بعد موسم مطري استثنائي.. هل السدود السورية جاهزة لتحمل الضغط؟

بسام الرحال

شهدت معظم المحافظات السورية هذا العام موسماً مطرياً وفيراً، ما يبشر بموسم زراعي واعد بعد سنوات من الجفاف، ويسهم في تغذية المخزون المائي في الأحواض الجوفية، ويخفف من المخاوف المرتبطة بتراجع الموارد المائية التي عانت منها البلاد خلال السنوات الماضية.

وساهمت هذه الهطولات الغزيرة في رفع مستويات المياه في السدود إلى معدلات مرتفعة، الأمر الذي يعزز فرص تأمين الاحتياجات الزراعية والمنزلية، وسقاية الثروة الحيوانية، ويتيح الاستفادة المثلى من الموارد المائية الموسمية.

في المقابل، تطرح هذه التطورات جملة من التساؤلات حول قدرة السدود، ولا سيما المتضررة منها، على استيعاب الكميات المتزايدة من المياه دون مخاطر، وآليات استثمار ملايين الأمتار المكعبة بشكل فعّال، إضافة إلى الإجراءات المتبعة لضمان سلامة السدود وتفادي أي كوارث محتملة، بما يسهم في دعم الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، قال المهندس عمر الحبال، الخبير في شؤون المياه، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “تضم سوريا 161 سداً، تتنوع بين سدود خرسانية وأخرى ركامية (ترابية-صخرية)، إضافة إلى سدود مائية سطحية صغيرة ومتوسطة الحجم، وخلال عام 2025، الذي شهد أحد أسوأ مواسم الجفاف، تراجع مخزون المياه في هذه السدود إلى مستويات تراوحت بين 1 بالمئة و17 بالمئة، ما أدى إلى نقص حاد في مياه الشرب والزراعة، فضلاً عن المياه اللازمة لتغذية الثروة الحيوانية”.

وأضاف الحبال: “مع تحسن الهطولات هذا العام، والتي تجاوزت 130 بالمئة من معدلاتها في العديد من المناطق، ارتفعت نسب التخزين في السدود لتتراوح بين 75 بالمئة و100 بالمئة، وترافقت هذه الزيادة مع جريان السيول وحدوث فيضانات في الأودية والأنهار، إلى جانب تسجيل انهيارات في بعض السدود السطحية، ما أثار مخاوف من احتمال تأثر سدود أخرى، خاصة الركامية”.

جميع السدود بحاجة إلى صيانة دائمة

وأوضح الحبال أن امتلاء السدود لا يشكل بحد ذاته خطراً مباشراً على الانهيار، إذ تُصمم السدود وفق معايير فنية دقيقة، تتضمن إنشاء مفيضات عند منسوب التخزين الأعظمي لتصريف المياه الزائدة تلقائياً، إضافة إلى بوابات تحكم لتنظيم استخدام المياه أو خفض المنسوب عند الحاجة.

وأكد أن السدود، بمختلف أنواعها، تتطلب صيانة دورية ومراقبة مستمرة لأي مؤشرات تسرب مائي، ومعالجة ذلك وفق طبيعته وموقعه في جسم السد، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات تسهم في رفع كفاءة استثمار الموارد المائية، وتعزز الأمن الغذائي والاقتصادي، وتحافظ على الاستدامة البيئية.

وبيّن الخبير أن السدود في سوريا تعرضت خلال سنوات الثورة لإهمال كبير، نتيجة غياب الصيانة الدورية والرقابة الفنية، ما أثر سلباً على جاهزيتها وسلامتها، كما زادت تعقيدات الوضع بسبب وقوع عدد من السدود تحت سيطرة جهات لم تراعِ المعايير الفنية والهندسية، ولم تأخذ بعين الاعتبار سلامة السكان في المناطق المحيطة بها.

وأوضح الخبير أن هذا الواقع أسهم في تفاقم الأضرار في عدد من السدود، وزيادة مخاطر التسرب أو الانهيار، ما يجعل إعادة تقييمها وصيانتها بشكل عاجل ضرورة ملحّة للحفاظ على الأمنين المائي والاقتصادي في البلاد.

وتابع: “بات من الضروري اليوم إجراء تقييم شامل ومراقبة دقيقة لحالة السدود في سوريا، بهدف درء الأخطار البشرية والاقتصادية التي قد تنجم عن انهيار أي سد، كما حدث سابقاً في سد زيزون الركامي، الذي عانى من نخر وتسرب مائي في جسمه، بالتزامن مع امتلائه، في ظل تجاهل الجهات المسؤولة حينها لتحذيرات الفنيين بضرورة تخفيض منسوب المياه ومعالجة التسرب، ما أدى إلى انهياره”.

وأضاف: “ثمة حاجة ملحّة لدق ناقوس الخطر وإعلان حالة طوارئ فنية، تتيح دراسة واقع جميع السدود، وتقييم حالتها الفنية بدقة، واتخاذ الإجراءات المناسبة بشكل عاجل في حال رصد أي مؤشرات نخر أو تسرب مائي في جسم أي سد”.

وفي السياق ذاته، أوضح مدير عام الهيئة العامة للموارد المائية في وزارة الطاقة، المهندس أحمد الكوان، في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن “الحجم التخزيني الإجمالي لسدود الهيئة يبلغ نحو 2.9 مليار متر مكعب، في حين وصل الحجم المخزن حالياً إلى قرابة 1.12 مليار متر مكعب، عقب الهطولات المطرية التي شهدتها البلاد هذا الموسم، ما يدل على قدرة السدود على استيعاب الواردات المائية الناتجة عن الأمطار”.

وأشار الكوان إلى أن السدود التابعة للهيئة، والبالغ عددها 161 سداً، تؤدي وظائف متعددة، تشمل ري الأراضي الزراعية، وتأمين مياه الشرب للسكان، وسقاية الثروة الحيوانية، فضلاً عن دورها في الحد من أخطار الفيضانات والسيول، لافتاً إلى تنوعها بين سدود خرسانية وأخرى ركامية.

وقال: “تُعد الزراعة المستهلك الأكبر للمياه، إذ تستحوذ على نحو 88 بالمئة من إجمالي الاستخدامات، ما يجعل المياه المخزنة في السدود عنصراً أساسياً في دعم الخطة الزراعية وري المزروعات، ويتم ذلك عبر تنسيق مستمر بين مديريات الموارد المائية ومديريات الزراعة في المحافظات، من خلال اللجان الزراعية الفرعية التي تُرفع توصياتها إلى وزارتي الزراعة والطاقة لاعتمادها”.

وأضاف أن طول الموسم المطري يسهم في تعزيز مخزون السدود، ما يتيح تنفيذ الخطط الزراعية بكفاءة أعلى.

خطة لإصلاح الأضرار

وفيما يتعلق بإجراءات الصيانة وإعادة التأهيل، أكد الكوان أن الهيئة تعمل وفق خطة منظمة لصيانة السدود وإصلاح الأضرار التي لحقت ببعضها خلال السنوات الماضية، وذلك بعد إعادة تقييم أوضاعها الفنية، كما أشار إلى أن أعمال إعادة تأهيل شبكات الري الحكومية ومحطات الضخ مستمرة، بهدف تحسين الكفاءة الفنية والاقتصادية للمنظومة المائية.

وبيّن أن الكوادر الفنية في مديريات الموارد المائية بالمحافظات تتابع بشكل مستمر الحالة الفنية للسدود في ظل الظروف المناخية الراهنة، مع رصد أي مظاهر تسرب أو رشوحات، لافتاً إلى أن هذه المتابعة تتيح اتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك فتح المفرغات عند الضرورة، لتفادي أي مخاطر محتملة.

ويُظهر ما سبق أن السدود في سوريا تمثل شرياناً حيوياً لتأمين مياه الشرب والزراعة والثروة الحيوانية، وأن الموسم المطري الوفير هذا العام شكّل فرصة لتعزيز المخزون المائي بعد سنوات من الجفاف، لكنه في الوقت ذاته يضع بعض السدود المتضررة تحت ضغط إضافي يتطلب أعلى درجات الحذر.

وعليه، تبرز الحاجة إلى استمرار المراقبة الفنية الدقيقة للكشف المبكر عن أي تسرب أو تشققات، وتنفيذ أعمال الصيانة والإصلاح بشكل فوري للسدود المتضررة، سواء نتيجة القصف أو تقادم الزمن، مع تعزيز بنيتها وتجهيز أنظمة التحكم بالمياه، كما تبرز أهمية إدارة المخزون المائي بكفاءة، عبر خطط مدروسة لتوزيع المياه بين القطاعات المختلفة، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، إلى جانب إعداد خطط طوارئ للتعامل مع الفيضانات أو أي مخاطر محتملة، بما في ذلك الاستعداد لفتح المفرغات عند الحاجة.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نبع الفيجة بريف دمشق… تعافٍ تدريجي يواجه إرث التعديات ويستدعي استجابة شاملة

    يُعدّ نبع الفيجة في ريف دمشق المصدر الرئيسي لمياه الشرب في مدينة دمشق وريفها، ما يجعله ركيزة أساسية للحياة والتوازن البيئي، إلا أن ...