نهلة أبو تك:
إعادة الإعمار في سوريا ليست سباق إسمنت ولا استجابة تقنية لآثار الدمار، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إعادة صياغة نموذجها الاقتصادي والاجتماعي. فبعد سنوات من الخسائر المركّبة، لم يعد السؤال المطروح ماذا نعيد بناءه؟ بل كيف يُدار الإعمار، وبأي أدوات، ولصالح من؟
حجم الدمار، وتآكل البنية الإنتاجية، وتراجع مستويات الدخل، جميعها عوامل تفرض مقاربة تتجاوز منطق إعادة البناء السريع إلى بناء مسار تنموي متوازن، قادر على خلق فرص العمل، وتحفيز الاقتصاد الحقيقي، وترسيخ الاستقرار الاجتماعي.
الحوكمة الاقتصادية مدخل الإعمار المستدام
يشدد الخبير الاقتصادي أسامة هروش على أن إدارة ملف إعادة الإعمار لا يمكن أن تنجح دون حوكمة اقتصادية رشيدة وشفافة، موضحاً أن نجاح الإعمار لا يُقاس بعدد المشاريع أو حجم الإنفاق، بل بقدرة الدولة على ترسيخ الوضوح المؤسسي، وتوسيع دائرة المشاركة، وبناء بيئة اقتصادية مستقرة يمكن للمستثمرين التنبؤ بها.
ويضيف هروش: إن الشفافية ليست مطلباً شكلياً، بل الأساس الذي يحوّل الإنفاق الاستثنائي إلى نمو اقتصادي مستدام من دونها، يتحول الإعمار إلى استنزاف مالي. كما أن التعافي المجتمعي عنصر لا يتجزأ من العملية، فالثقة والاستقرار الاجتماعيان يرفعان فعالية السياسات الاقتصادية ويعززان فرص الاستثمار.
وبهذا المعنى، يصبح التعافي الاقتصادي والاجتماعي مسارين متلازمين: حوكمة رشيدة تعزز الثقة، ومجتمع مستقر يرفع كفاءة الاقتصاد.
الإعمار بين إدارة الأزمة وإدارة التنمية
تُظهر التجارب الدولية أن الإعمار يفقد أثره حين يُدار بذات الآليات التقليدية التي أثبتت محدوديتها في إدارة الأزمات لذلك، فإن إعادة الإعمار في سوريا تتطلب الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى إدارة التنمية، عبر تحديث أدوات التخطيط، وتوسيع المشاركة المؤسسية، ومنح صلاحيات تنفيذية مرنة قادرة على الاستجابة لاحتياجات المناطق المختلفة.
فالإعمار ليس إعادة بناء ما تهدّم فحسب، بل إعادة توازن بين الموارد والاحتياجات، وبين المركز والأطراف، وبين الدولة والاقتصاد المنتج، بما يمنع تكريس فجوات تنموية جديدة.
الإنسان أساس المعادلة الاقتصادية
أي خطة جادة لإعادة الإعمار لا يمكن أن تنجح ما لم تنطلق من الإنسان بوصفه محور العملية التنموية. ويشمل ذلك ،إعادة تأهيل الخدمات الأساسية، خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة،تأمين السكن، دعم الأنشطة الإنتاجية المرتبطة بحياة الناس اليومية.
كما أن توجيه الاستثمارات نحو الزراعة والصناعة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة يمثل مدخلاً ضرورياً لتحريك الاقتصاد الحقيقي، باعتبارها القطاعات الأكثر قدرة على توليد فرص العمل وتحقيق توزيع أوسع للدخل.
التمويل: كيف يُدار دون تحميل المجتمع الكلفة؟
يشكل تمويل إعادة الإعمار أحد أكثر الملفات حساسية فغياب الرؤية التمويلية الواضحة قد يؤدي إلى تحميل المجتمع أعباء إضافية عبر التضخم أو الديون أو الضرائب غير المدروسة. لذلك، يبرز دور توجيه التمويل نحو مشاريع إنتاجية قادرة على توليد عائد اقتصادي، بدل الاكتفاء بمشاريع إنشائية ذات أثر محدود.
الاستقرار والاستثمار علاقة تبادلية
يوضح هروش أن الاقتصاد شديد الحساسية للمناخ العام، فكلما تحسنت مؤشرات الاستقرار وتعززت بيئة العمل، ازدادت قدرة السوق على استيعاب الاستثمارات، ولا سيما رؤوس الأموال الوطنية التي تشكل الركيزة الأساسية لأي عملية إعمار ناجحة.
وفي هذا السياق، يرى المستثمر العقاري لؤي الزعيم أن المرحلة المقبلة تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، تقوم على تحفيز الاستثمار المنتج وتوفير بيئة مستقرة تشجع رجال الأعمال السوريين على توسيع نشاطهم داخل البلاد بدل توجيهه إلى الخارج، مؤكداً أن رأس المال الوطني يمتلك الخبرة والقدرة، لكنه يحتاج إلى إطار واضح يضمن الاستقرار والاستمرارية.
فرصة لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي
في المحصلة، تقف سوريا اليوم أمام فرصة مفصلية لإعادة صياغة نموذجها الاقتصادي والتنموي. فإعادة الإعمار ليست عودة إلى ما قبل الأزمة، بل فرصة لبناء اقتصاد أكثر توازناً، وتنمية أوسع أثراً، ومشاركة أعمق بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.
إن تحويل الإعمار إلى مسار تنموي ناجح يتطلب رؤية واضحة، وإدارة كفوءة، وشراكات ذكية، تضع مصلحة المجتمع في صلب العملية، وتؤسس لتعافٍ اقتصادي واجتماعي مستقر وقابل للاستمرار.
syriahomenews أخبار سورية الوطن
