الرئيسية » كلمة حرة » بهجة العيد بين الماضي والحاضر

بهجة العيد بين الماضي والحاضر

 

مالك صقور

” في أول أيام العيد ، كنتَ ترتدي ثيابك الجديدة ، وحذاءً أتى به أبوك من طرابلس . وتقبض على حفنة من النقود المعدنية من ذات ( الربع ليرة والعشرة قروش ) ؛ وتقف بالباب ، تلتفت يمينأ و يساراً ، منتظراً مجيء العيد . وتخرج ثانية ، وتتعب من التلفت في كل الإتجاهات ، كي تستقبل العيد . وتعود إليّ باكياً وتقول ياأمي : لم يأت العيد .. تقولون : جاء العيد ..أين العيد ؟!
ومن جديد تعود إلى الشارع ، تتطلع في كل الإتجاهات ، وتقول : لم يأت العيد ، لم أره ، وأنا ارتديتُ ثياب العيد و(خرجيتي معي ) .وأنا منذ شهر بانتظاره . هل يعني أنه جاء ، ولم يمرْ في شارعنا ؟ أو،لا يريد أن يزور بيتنا ؟! “.ويبتسم أبوك ، ويقول لك وهو يمسح دموعك : ” لا تقلق ، نحن سنذهب إليه ” ” .

وكانت أمي ، تُذكرني فيما بعد ، بتلك الذكرى دائماً ، وانا اليوم تذكرت هذه الذكرى البعيدة ، عندما سألني جوهر: هل سيأتي العيد هذا العام ؟!
قلت له : انقضى شهر رمضان المبارك ، لكن العيد لم يأت ، ولن يأتي ، كما كنا نعيشه في طفولتنا ، واليوم لا نستطيع الذهاب إليه كما كان يُرضيني أبي .
العيد ، ياجوهر ، لم يعد عيداً ..
في الطفولة البعيدة ، ياجوهر كان العيدُ عيداً حقيقياً .. لم يكن مجرد عطلة . وكان العيد طقساً جميلاً رائعاً ، وكان الناس ينتظرونه ، ويحسبون له حساباً . ويحضرّون له مسبقاً .

كان العيد فرحاً ومسرة وبهجة وسعادة ..سأذكر لك ياجوهر ، إن لم تخني ذاكراتي ، على الأقل ، كيف كنا نستقبل العيد في ضيعتنا .
بعد صلاة العيد ، يتفق المصلون ، من أين سيبدأون ( بالمعايدة ).. وينطلقون إلى كل بيت ، وفي كل بيت يقدمون ضيافة العيد ، والتي كانت غالباً : رز بحليب ، وأقراص العيد على التنور ( المرقَدْ ) وبعض أصناف من الحلوى .وهكذا ، كنتُ أرى هؤلاء الرجال وهم يسيرون في أزقة الضيعة قاصدين كل بيت ، يشبهون المسيرات هذه الأيام . وكانت الزيارة الأولى ، لبيت فيه مريض ، والثانية لبيت فيه خصومة مع بيت آخر ..فكان من الواجب ، من كل بد ، أن يقوم المعايدون بعملية الصلح ، والتسامح ، والشرط : أن يكون الغداء أو العشاء في منزل أحد الخصمين ، كي يتم التأكد من أن عملية الصلح قد تمّت بنجاح .
أمر آخر لا أنساه هو توزيع الحليب واللبن لمن ليس عندهم أبقار ، أو أغنام . وتذكر الفقراء .
في الساحة الكبيرة : تُنصب أرجوحة خشبية كبيرة ، وكانت فرصة سانحة لإطفال الضيعة ، أن يتمتعوا وهي تدور بهم ، ينتظرونها من عام لعام . وفي زاوية أخرى من الساحة ، يأتي حامل صندوق الفرجة .. وفي زاوية أخرى يقف بياع الحلوى .
أما الصبايا والشباب ، فكانوا يذهبون نهاراً إلى مقام (الخضر) وحول هذا المقام يتشكل عرضا واستعراضا لكل سكان القرى المحيطة ، حيث تُعقد حلقات الدبكة ، ويتم التنافس بين القرى في مجال الدبكة على وقع الطبل والمزمار ، والمجوز ، والأرغول . وكان ذلك الطقس مهرجاناً حقيقيا . هذا في النهار . أما في السهرات ، فكان الشباب والصبايا يجددون الدبكة عل البيادر ، بعد أن ينصبوا عموداً يعلقون علية ( اللوكس) . وأحيانا يوقدون النار ، ويتم الفرح والشوباش حتى الهزيع ألأخير من الليل . على أمل التجدد غداً .
وأما الرجال فكانوا يجتمعون كل يوم في بيت من البيوت وبحضور الشعار وقوالي العتابا والميجنا . حيث تبدأ المنادمة بين شاعرين ، ولكل منهما فريق تشجيع . مثلاً : شاعر يتبنى الضيعة وإيجابياتها ، والآخر يتبنى المدينة ، وكل منهما يعدد سلبيات المدينة والضيعة . منهم : من يتناول الأنثى والرجل . أو البر والبحر ، أو السهل والجبل ..ثم يتخلل ذلك ، عزف على الربابة .
ثلاثة أيام تنقضي بسرعة ، ومن ثم يعود كل إلى عمله .
بقيت طقوس الأحتفال عند مقام الخضر حتى عام 1967 . بعد تلك الهزيمة ، توقفت الإحتفالات بالطريقة السابقة . ولا أعرف ، هل الناس تركت حزناً على الجولان والهزيمة ؛ أم الحكومة يومها منعت الأحتفال ، ما عدت أذكر ..
هذا غيض من فيض عن (( العيد )) أيام طفولتنا .. أيام كنا نحن ان نذهب إلى العيد .. لنحس بنشوة وفرح وسعادة وسرور .
أجل ياجوهر: منذ زمن بعيد ، ياصاحبي ، لم يعد العيد عيدا ، ومنذ زمن قُتلتْ فرحة العيد وتلاشت بهجته !! كان العيد عيداً ، أيام كان الناس متحابين متسامحين ؛ أيام كانت الأخلاق والقيم الرفيعة والعادات الجميلة والأعراف الرائعة هي السائدة .. والآن يسيطر عصر الإستهلاك ، وفقدان القيم ، وموت العاطفة ، وصلة الرحم أيضاً . لذلك ، ترانا نردد مع جدنا أبي الطيب المتنبي في كل عيد :
عيدٌ بأَية ِحالٍ عُدتَ ياعيدُ
بما مضى أم بأمر فيك تجديدُ
أما الأحبةُ فالبيداء دونهم
فليت دونك بيداً دونها بيدُ

لقد تغيّرت الدنيا، ويبدو أن هذا الزمن ليس زمن أعياد تحمل الفرح والخير والسرور والحبور ، وفي الفضاء رائحة البارود ، في كل مكان . ولا نسمع مَنْ يُبشّر ، نسمع ، فقط ، مَنْ يُحذّر ، ويهدد ، ويُنذر .
ومع ذلك ، ياجوهر ، سنبقى متفائلين بأن غداً أفضل . ولا بد من قول :
كل عام وأنتم بخير

 

 

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كسر عظم..

    مالك صقور   يشهد العالم في الآونة الأخيرة ، تحولات جذرية في النظام الدولي انقلبت إلى تحديات جيوسياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية غير مسبوقة ...