بشير صفير
السنة الماضية، جاء «بيروت ترنّم» متأخراً بضعة أيام، بعدما كان احتمال إلغائه عالياً بسبب الحرب الإسرائيلية المعلنة، التي رست على وقف شكلي للنار قبل أسبوع فقط من موعد الافتتاح في الرابع من كانون الأول (ديسمبر). اليوم، تنطلق الدورة الـ18 من المهرجان السنوي أبكر من المعتاد، ببرمجة طبيعية لناحية الشكل، وكذلك المضمون إلى حدٍ ما، في ظلّ حرب إسرائيلية غير معلنة واحتمالٍ عالٍ لإعادة إعلانها. زيارة بابا الكاثوليك تمنحنا ضمانة استقرار، ولو لم تكن غير مطلَقة، حتى مساء الثلاثاء المقبل.
مظلّة أمان يؤمِّنُها شخصه لا تضرّعاته. بعد ذلك، الاتكال على الله، الذي لا قاعدة ولا منطق لطريقة عمله الغريبة العجيبة في حماية المتكلين عليه، الذين يبررون له خذلانه لهم بتواضعٍ صادقٍ حيناً ومريبٍ حيناً آخر: لتكن مشيئتك. رغم ذلك، ورغم كل ما مررنا به، وحتى إشعارٍ آخر، ميشلين أبي سمرا صامدة، وبيروت لا تزال ترنّم. في الأمس لغزّة، واليوم لزياد. الدورة مهداة رمزياً له، من دون تكريمات إنشائية ولا عراضات موسيقية لا يمكن أن ترتقي، طالما لم تتوافر مدوّناته الموسيقية الأصلية، إلى أي ممّا تركه لنا على مدى أكثر من نصف قرن. هي تحية مختصرة، كالموت. صامتة، كالحزن. شفّافة، كالدمع. عاجزة، كجميعنا.
يفتتح مهرجان «بيروت ترنّم» اليوم في «كنيسة مار يوسف» (مونو/الأشرفية) ويختتم في «الجامعة الأميركية» مساء 23 الشهر المقبل، وعلى مائدته 27 موعداً لمختلف الأذواق.
في أسفل الصفحة تجدون إضاءة على ستة منها، تعطي فكرة عن البرمجة من دون أن تغطّي مجمل ما يستحق الإضاءة المحددة عليه. أكثر ما يلفت هذه السنة هو الكم الهائل من الأمسيات التي تندرج، لناحية الشكل (بمعنى التركيبة الموسيقية)، تحت فئة موسيقى الحُجرَة في مجال الموسيقى الكلاسيكية الغربية… سبع أمسيات: أربعة مواعيد لثنائي الكمان والبيانو، واحدٌ للتشيلو والبيانو، ريسيتال بيانو منفرِد وأمسية لرباعي وتريات.
الافتتاح، كما في معظم الدورات السابقة، محجوزٌ للعمل الإنشادي، وهذه المرة يضم البرنامج عملَين بدلاً من واحد: «أوراتوريو الميلاد» للفرنسي كاميّ سان ــ سانس، وهو مناسب جداً لفترة الأعياد وفكرة المهرجان، علماً أنه لا يتمتع بالثقل الكافي فنياً، وهذا ما يعالجه إدراج عمل ثانٍ في الأمسية، ذي قيمة جمالية عالية لموزار، بعنوان «توبة داوود» (التحفة الوحيدة له في فئة الـ«كانتاتا»). في المناسبة، كل «الموزاريّين» يتذكرون «النقزة» التي تَسبَّب لهم بها الاستماع الأول إلى هذا العمل.
كثيرون شكّوا في أن هناك خطأ في التسجيل أو التعليب عندما حصل أن اطلعوا عليه. فموزار المستعجِل اضطر إلى استخدام موسيقى قدّاسه الأشهر (القدّاس الكبير) في «توبة داوود» (باستثناء محطّتين غنائيتَين)، علماً أن الأول شديد الشهرة في زمننا، وهو من أول الأعمال التي يسمعها الداخل إلى عالم المؤلف النمساوي، في حين أن الثاني مغمور نسبياً. بمعنى آخر، إن كنتم من عشّاق «القدّاس الكبير» موسيقياً، فموعدكم معه اليوم، والنَّص المُنشَد لا يقدّم، في الجمال، ولا يؤخّر، خاصةً أننا ضمن اللغة الواحدة: اللاتينية.
مساء الأحد أولى أمسيات موسيقى الحجرة وتستضيفها «الجامعة الأنطونية» (بعبدا)، حيث يقدّم الثنائي الإيطالي أبيغايلا فوشتينا (كمان) وألبيرتو فيرو (بيانو) برنامجاً غير اعتيادي، يؤدّي خلاله سوناتا للإيطالي المغمور إرمانو ــ وولف ــ فيراري وأخرى لمعاصره ومواطنه الشهير أوتورينو رسبيغي. مساء الثلاثاء (كنيسة مار يوسف/ مونو) موعد القنبلة المخبّأة في الدورة.
مخبّأة وليس الإعلام اللبناني (بكل أشكاله وأدواته) من يُتكَّل عليه لكشفها، فهو غير متخصّص في هذا النوع من المواد. من دون مبالغة، يُنصح بالتزوّد ببعض المكعبات المثلّجة إن نويتم حضور هذه الأمسية (ونقصد الحضور الذهني التام طوال الأمسية، طبعاً)، لتبريد المئة مليار خلية التي سترتطم ببعضها في عملية معالجة الأصوات التي تجتاح مناطق عدة في الدماغ. ضيف الأمسية هو «كوارتيتو دي كريمونا»، وهو رباعي وتريات إيطالي، مستواه أعلى بكثير من شهرته في الأوساط الكلاسيكية، وعلى برنامجه عملٌ واحدٌ لا غير: «فن الفوغ» (The Art of Fugue) لباخ.
على حد علمنا، لم يُعزف هذا العمل كاملاً في لبنان من قبل، ولو بأي شكل من الأشكال المعتمدة لأدائه (بيانو أو هاربسيكورد أو أورغن منفرِد، رباعي وتريات [كما في الأمسية المرتقبة]، مجموعة آلات وترية و/أو نفخية، أوركسترا سمفونية، إلخ…)، والرباعي الزائر سجّل العمل أخيراً، والنتيجة مشجعة جداً لعدم تفويت النسخة الحية من أدائه.
تتوالى بعدها الأمسيات بشكل يومي (أمسيتان في الليلة أحياناً)، لنصل إلى رسيتال البيانو الوحيد (كنيسة مار مارون، الجميزة)، ويحييه مساء الجمعة المقبل البولندي كشيشتوف كْشاوْجَك، شبه المتخصّص في مواطنه شوبان، والذي يتألف برنامجه من أعمال الأخير حصراً، إذا استثنينا عملاً لرئيس الوزراء البولندي بعد الحرب الكبرى، بادرفسكي! في اليوم التالي، وفي المكان ذاته، الفاصل الغربي الأخير، قبل أن يحتكر الشرقي الساحة على مدى أربع أمسيات متتالية، مع الثنائي البلجيكي المؤلَّف من الأخوين يوسف (كمان) وفيليب (بيانو) إيفانوف، في برنامج من أجمل ما يمكن تركيبه في هذه الفئة، لتارتيني، فوريه، بيتهوفن ورافيل.
السيطرة الشرقية يطلقها فراس العنداري في تحية لأم كلثوم (الجامعة الأميركية)، تليه سيندي لطّي التي تغنّي وديع الصافي (الجامعة الأميركية)، ثم يجتمع زياد الأحمدية بـ «كورال الفيحاء» (كنيسة مار مارون، الجميزة) قبل الأمسية الإنشادية التي تقدمها غادة شبير مع «جوقة مؤسسة الإمام الصدر» (كنيسة مار الياس، القنطاري). كل هذا ونحن لم نبلغ منتصف الدورة الغنية فعلاً من «بيروت ترنّم»، التي تتخللها أمسيات ميلادية لجوقات محلية ومغنين منفردين أمثال بشارة مفرّج وماتيو الخضر ومارك رعيدي باز ومَيسا قرعة… على أن تختم المغنية ماري ــ جو أبي ناصيف المهرجان، في السياق الميلادي نفسه، بأمسية ترافقها فيها أوركسترا بقيادة الأب توفيق معتوق.
في مهنة البحث عن المتاعب والقراء، لا يجوز قبول هدايا من أحد. لكننا، استثنائياً، سنقبل من المهرجان الهدية القيّمة التي يقدّمها لنا، ولطفل المغارة الرقيق، وللمكَرَّم الذي انسحَب من الحياة قبل أربعة أشهر: عدم مشاركة غي مانوكيان في هذه الدورة. شكراً و… «عقبال كل سنة»!
أخبار سوريا الوطن١- الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
