آخر الأخبار
الرئيسية » حول العالم » بين الحرب الشاملة والاتفاق الكامل | أميركا – إيران: أيّ تنازلات ممكنة؟

بين الحرب الشاملة والاتفاق الكامل | أميركا – إيران: أيّ تنازلات ممكنة؟

 

يحيى دبوق

 

 

 

تسير الأمور بين الولايات المتحدة وإيران على حافة الهاوية، وتُنذِر باتجاهين متعارضين قد لا يصل الطرفان إلى أيٍّ منهما: الحرب الشاملة أو الاتفاق الكامل. والنتيجة تلك، تبدو طبيعية وفقاً للمنطق الأميركي، الذي يرفق مسار التفاوض بتهديداتٍ متصاعدة، تستهدف انتزاع أقصى ما يمكن من تنازلات. لكن، رغم التوترات والتهديدات المتبادلة والحديث المتكرّر عن خيارات أميركية تقترب من التنفيذ، يبدو أن الطرفين يحاولان تفادي السقوط في حربٍ شاملة، يظلّ، مع ذلك، احتمالها قائماً.

منذ البداية، كانت الولايات المتحدة واضحة في موقفها: إمّا أن تمتثل إيران للمطالب الأميركية المتعلقة ببرنامجها النووي، وربما ببرنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي، وإمّا أن تكون هناك تداعيات قد تشمل اللجوء إلى الخيار العسكري. لكن في الميدان والسياسة معاً، ظهر أن التهديد العسكري أقرب إلى أداة ضغط في يد واشنطن منه إلى خيار ترغب الأخيرة في تنفيذه فوراً. وحتى مع التسريبات الإعلامية التي تفيد بأن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، «قد يدرس شنّ هجومٍ محدود على إيران»، يظلّ من غير الواضح ما إذا كانت واشنطن ستلتزم بهذا الخيار.

 

من جانبها، تتبنّى إيران سياسة حذرة في التعامل مع التصعيد الأميركي؛ ففي حين تُظهِر تمسّكاً بحقها في برنامجها النووي، ولا تريد أن تكون في موقعٍ تتراجع فيه بالكامل أمام الضغوط الأميركية، في ما يشبه الاستسلام الذي يلي هزيمةً عسكرية قبل خوضها، فهي تدرك أن سياسة الرفض المطلق قد تدفع واشنطن نحو مواجهةٍ عسكرية قد تكون «خيار اللاخيار» لدى الجانب الأميركي، وهو ما لا ترغب فيه طهران. وعلى هذه الخلفية، قد تكون الورقة التفاوضية الإيرانية المقبلة في جنيف تنازلاً بسقوفٍ محدّدة.

على أي حال، يمكن القول إن الجانبين حقّقا نجاحاً في بعض جوانب مقاربتهما لمسارَي التهديد والتفاوض، فيما لم تتضح نتائج جوانب أخرى بعد. فقد استطاعت إيران أن تواجه التهديد والتحشيد بندّية لا توحي باستسلام، مع إفهام الطرف الآخر أن أيّ اعتداء عليها سيواجَه بما يتناسب، الأمر الذي يفرض عليه التفكير في ردّه اللاحق على الردّ الإيراني قبل الإقدام على اعتدائه. كذلك، استطاعت طهران، على ما يبدو، أن تُبعِد عن طاولة المفاوضات ملفاتٍ أخرى غير نووية، بما يحول دون المسّ بأهمّ ما يميّزها ونظامها كجمهوريةٍ إسلامية؛ وهي بلغت في رفضها تمديد العملية التفاوضية وتوسعتها وضمّ ملفاتٍ إضافية إليها، حدّ إعلانها أن المفاوضات ستُشلّ فوراً وبلا مقدّمات في حال الإصرار على تلك المطالب. أيضاً، حوّلت إيران المسار الدبلوماسي إلى مسارٍ تبادلي مغاير لما أُريد له أميركياً؛ فالمفاوضات ليست تنازلاً مقابل عدم شن حربٍ عليها، بل تنازلٌ مقابل تنازلاتٍ مقابلة ورفع عقوبات، والفارق بين المطلبين جوهري. ويضاف إلى ما تقدّم، وهو الأهم، أن طهران استوعبت أثر الصدمة الابتدائية التي أُريد لها أن ترضخ تحتها قبل بدء التفاوض.

 

استطاعت طهران أن تُبعِد عن طاولة المفاوضات ملفاتٍ أخرى غير نووية

 

 

في المقابل، يُسجَّل لواشنطن أنها استطاعت إدخال المفاوضات في سياقٍ مغاير لما كانت عليه مع إداراتٍ أميركية سابقة؛ فهي مفاوضات تحت التهديد، مع إظهار جدّية عملية وميدانية، أريد منها فتح باب التنازلات القصوى من جانب إيران. كما يُسجَّل للولايات المتحدة أنها دفعت إيران إلى موازنة خياراتها وردودها، وذلك لإدراكها أن الخيار العسكري الموضوع أصلاً لخدمة العملية التفاوضية، قد يتحوّل إلى قرار لا رجعة فيه إذا فشلت تلك العملية، خصوصاً أن التهديدات بلغت حداً قد لا يسمح لواشنطن بالتراجع في حال الفشل. ويُضاف إلى ذلك، أن الولايات المتحدة دفعت المسار التفاوضي إلى أن يكون سريع الإيقاع وغير قابل لإطالة الأمد، وهو ما يضغط على الجانب الإيراني المعروف بإجادته إدارة المفاوضات وفق إيقاعه الخاص، وهو ما مثّل معضلة للجانب الأميركي في جولاتٍ سابقة.

وفي ظلّ المعطيات الحالية، تبرز عدة سيناريوات، لعل أبرزها ما يلي: أولاً، تصعيد الضغط العسكري؛ فإذا اختارت إيران الرفض المطلق، قد يجد الطرفان نفسيهما في مواجهةٍ مباشرة تتخذ شكل حربٍ محدودة أو عملياتٍ عسكرية موضعية، كالهجمات الجوية أو البحرية، وهو سيناريو لا ترغب فيه أيّ من الدولتين، لكنه قد يصبح بلا بديل. ثانياً، التفاوض على تنازلاتٍ متبادلة، وهو الاحتمال الأرجح، حيث قد تختار طهران تقديم تنازلاتٍ جزئية تجنّبها وواشنطن التصعيد العسكري، فيما قد تتراجع الأخيرة عن بعض مطالبها وسقوفها العالية لتفادي الانفجار، خصوصاً إذا حصلت على ما يفوق تنازلاتٍ إيرانية قياساً باتفاق عام 2015. غير أن هذا المسار، رغم ترجيحه، لا يخلو من صعوباتٍ كبيرة. أمّا السيناريو الثالث، فهو إقدام الولايات المتحدة على ضرباتٍ موضعية محدودة بهدف دفع إيران إلى مزيدٍ من التنازلات. غير أن ذلك الخيار ينطوي على أخطار الانزلاق إلى مواجهةٍ شاملة يصعب ضبطها، وقد لا يُقدِم عليه الأميركي إلا إذا كانت رهاناته خاطئة أو إذا كان قرار المواجهة الشاملة مُتخَذاً سلفاً.

 

كيفما اتّجهت الأمور، فإن أي نتيجةٍ لا تبلغ حد إسقاط النظام في إيران، لن تعني انتهاء المواجهة الطويلة الأمد بين الجانبين. ومن ناحية الأميركيين تحديداً، سيبقى التربّص في هذه الحالة قائماً، بحثاً عن فرصٍ لاحقة لإيذاء إيران، هذا إن لم يجرِ العمل مجدّداً على تهيئة تلك الظروف بالفعل.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زيلينسكي: بوتين بدأ الحرب العالمية الثالثة

  أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن رؤيته للحرب تختلف عن رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين “بدأ بالفعل” حرباً ...