ماجدة إبراهيم:
تراهن المؤسسات الحكومية على قطاع السياحة العلاجية كأحد المسارات الممكنة لتنشيط الاقتصاد واستقطاب الزوار، مستندة إلى توفر مواقع طبيعية علاجية وانتشار خدمات طبية تخصصية، إلا أن القطاع لا يزال في مرحلة التنظيم والتأهيل قبل تحوله إلى نشاط اقتصادي متكامل قادر على المنافسة الإقليمية.
فالسياحة العلاجية لا تقتصر على زيارة موقع استشفائي أو إجراء عمل جراحي فحسب، فهي تقوم على منظومة متكاملة تشمل خدمات طبية وفندقية ونقل ومتابعة علاجية، ما يجعل نجاحها مرتبطاً بتكامل أكثر من جهة خدمية في وقت واحد.
مواقع طبيعية قابلة للاستثمار
تتمتع سوريا بعدد من المواقع الطبيعية المعروفة بخصائصها الاستشفائية، خصوصاً تلك المرتبطة بالمياه المعدنية والكبريتية التي يقصدها الزوار لأغراض العلاج الطبيعي والاستجمام، ومن أبرز هذه المواقع منطقة جباب في محافظة درعا ومنطقة السخنة في محافظة حمص، إضافة إلى مواقع أخرى، مثل العباسية في حماة وحمامات الشيخ عيسى في إدلب.
هذه المواقع كانت تستقطب الزوار قبل سنوات، إلا أن توقف الخدمات لفترات طويلة أدى إلى تراجع نشاطها، ما دفع وزارة السياحة إلى إدراجها ضمن خطة إعادة التأهيل وإعادتها إلى الخدمة وفق متطلبات السياحة العلاجية الحديثة.
وتشمل الخطة إعادة تأهيل الآبار العلاجية وصيانتها وتأمين المياه ضمن شروط صحية، إلى جانب تحديث البنية التحتية وتطوير المنشآت السياحية المحيطة بها لتوفير بيئة علاجية مناسبة وآمنة للزوار، بحيث لا تقتصر الزيارة على الاستجمام فقط بل تمتد إلى إقامة علاجية متكاملة.
تنظيم القطاع والتنسيق المؤسساتي
وأفاد المكتب الإعلامي لوزارة السياحة في تصريح لصحيفة الثورة السورية بأن القطاع لم يكن منظماً بالشكل الأمثل سابقاً، الأمر الذي استدعى عقد اجتماعات تنسيقية مع وزارتي الصحة والإدارة المحلية لوضع خطة شاملة لتنظيمه.
وتهدف الخطة إلى وضع آلية واضحة لاستقبال المرضى والسياح الراغبين في العلاج، بدءاً من التواصل مع الشركات المنظمة للرحلات العلاجية وصولاً إلى تقديم الخدمة الطبية والإقامة والمتابعة بعد العلاج، مع اعتماد المنشآت الطبية التي تستوفي شروط وزارة الصحة وتطوير المنشآت السياحية القريبة من المراكز العلاجية.
ويُفترض أن يؤدي هذا التنسيق إلى تقليل العشوائية التي كانت تحكم عمل بعض المراكز، وتحويل الخدمات المقدمة إلى إطار منظم يحدد مسؤوليات كل جهة، سواء كانت طبية أم سياحية أم خدمية.
وترى الوزارة أن السياحة العلاجية يمكن أن تسهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في القطاعات الطبية والفندقية والخدمية، وتنشيط الأسواق المحلية وتأمين موارد إضافية من القطع الأجنبي، إلى جانب دعم الاستثمارات في القطاعين الصحي والسياحي.
ولهذا تعمل على تدريب وتأهيل كوادر عبر المعاهد والمدارس الفندقية، وتنظيم دورات للعاملين في المنشآت السياحية والطبية بهدف رفع جودة الخدمة المقدمة للزوار، إذ إن نجاح التجربة يعتمد على مستوى الخدمة بقدر اعتماده على توفر المقومات الطبيعية.
كما تتضمن خطط الترويج إطلاق حملات تسويق تركز على الخصائص العلاجية للمياه الكبريتية والخدمات الطبية المتخصصة، إضافة إلى أنماط السياحة التجميلية والعلاجية، بما يسمح استقطاب شرائح مختلفة من الزوار.
الترخيص وضبط الجودة أولاً
وفي تصريح لـ”الثورة السورية” أوضح مدير المنشآت الصحية في وزارة الصحة الدكتور واصل الجرك أن الوزارة طورت شروط ترخيص المنشآت الصحية المرتبطة بالسياحة العلاجية، مثل المنتجعات الطبية والمدن الصحية، فيما يتم ترخيص الشركات العاملة في السياحة العلاجية من قبل وزارة الاقتصاد.
وبيّن أنه لا توجد حالياً قائمة رسمية للمنشآت المرخصة، لأن القطاع لا يزال في طور التنظيم، مشيراً إلى أن بعض المراكز تقوم بالترويج لخدماتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على أن يتم نشر معلومات رسمية لاحقاً بعد صدور التشريعات اللازمة.
وأكد أن الوزارة تراقب جودة الخدمات وفق الإجراءات المعيارية نفسها المعتمدة في المشافي والمراكز الخاصة، من خلال الكشف الدوري وضبط الجودة وتطبيق بروتوكولات الوقاية ومكافحة العدوى، سواء كان المستفيد مريضاً أم زائراً لأغراض الاستجمام.
وأشار الجرك إلى أن تدريب الكوادر للتعامل مع المرضى الأجانب يتم حالياً من قبل القطاع الخاص، بينما تدرس الوزارة إدراجه ضمن سياساتها مستقبلاً، بما يشمل مهارات التواصل والإجراءات الطبية الخاصة بالمرضى القادمين من خارج البلاد، كما يجري العمل على تخصيص منشآت صحية مخصصة للسياحة العلاجية، ويُتوقع إنجاز أحد هذه المشروعات خلال ستة أشهر لتقديم جراحات وخدمات طبية عالية التخصص.
وأوضح أن الإحصاءات المتعلقة بالسياحة العلاجية غير مركزية حالياً ويتم جمعها من المراكز نفسها، فيما يجري التنسيق مع وزارة السياحة والإدارة المحلية لتنظيم القطاع بشكل متكامل، الأمر الذي يُعد خطوة أساسية قبل الانتقال إلى مرحلة الترويج الخارجي الواسع.
اختصاصات مطلوبة وآفاق مستقبلية
تشمل الاختصاصات الأكثر طلباً في السياحة العلاجية الإجراءات التجميلية، وزراعة الأسنان وتجميلها، وجراحة البدانة، والجراحة العينية والأذنية والعصبية، وهي اختصاصات تعتمد على توفر كوادر طبية مؤهلة أكثر من اعتمادها على التجهيزات السياحية.
وبينما تتوفر المقومات الطبيعية والطبية، يشير الواقع الحالي إلى أن القطاع لا يزال في مرحلة التحضير، إذ يتركز العمل على إصدار التشريعات، وتأهيل المواقع العلاجية، وتحسين البنية التحتية وتوحيد آليات الرقابة.
وفي حال اكتمال هذه الخطوات، تراهن الجهات المعنية على أن يتحول القطاع إلى مورد اقتصادي داعم للنشاط السياحي والصحي، مستفيداً من الجمع بين الموارد الطبيعية والخدمات الطبية التخصصية، بحيث لا تكون السياحة العلاجية نشاطاً موسمياً محدوداً، إنما قطاع اقتصادي مستدام مرتبط بالخدمات الصحية والسياحية في آن واحد.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
