عبدالله رحال
مع صدور المرسوم الجديد الذي نص على زيادة الأجور بنسبة 50% ورفع الحد الأدنى للأجور، عاد سؤال مهم ليطرح نفسه بقوة بين الناس: هل شملت هذه الزيادة المتقاعدين أيضًا؟
الجواب المباشر والواضح هو: لا، المرسوم الحالي لم ينص على شمول أصحاب المعاشات التقاعدية بهذه الزيادة، وهذا ليس تفصيلًا بسيطًا، بل نقطة قانونية مهمة، لأن أي زيادة للمتقاعدين تحتاج نصًا صريحًا وواضحًا، ولا يمكن اعتبارها ضمنية.
في تفاصيل القرار، ركّز المرسوم على العاملين في الدولة، سواء كانوا موظفين دائمين أو متعاقدين أو يعملون بأجور يومية أو مؤقتة، كما تضمّن رفع الحد الأدنى للأجور. الهدف من ذلك واضح، وهو تحسين القدرة الشرائية لهذه الفئة بشكل سريع، وضخ سيولة في السوق تساعد على تحريك الاقتصاد في هذه المرحلة الحساسة.
لكن في المقابل، لم يتم ذكر المتقاعدين، وهذا ما أثار تساؤلات واسعة، خصوصًا أن هذه الفئة تُعد من الأكثر حاجة في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
لفهم السبب، من المهم التمييز بين طبيعة رواتب العاملين والمعاشات التقاعدية. رواتب العاملين تُدفع مباشرة من الموازنة العامة، ويمكن تعديلها بقرار سريع نسبيًا، أما المعاشات التقاعدية فهي مرتبطة بمنظومة أوسع تشمل التأمينات الاجتماعية وصناديق التقاعد، وهي تعتمد على حسابات طويلة الأمد تتعلق بالاستدامة المالية.
بمعنى أبسط، أي زيادة في المعاشات لا تُحسب فقط على الشهر الحالي، بل تمتد آثارها لسنوات طويلة، وهذا يتطلب دراسة دقيقة حتى لا تتحول إلى عبء يصعب الاستمرار به لاحقًا.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن فصل القرار عن الواقع الاقتصادي الحالي في سوريا. الدولة تمر بمرحلة تعافٍ تدريجي بعد سنوات الحرب، مع موارد محدودة وضغوط كبيرة على الموازنة، إلى جانب أولويات متعددة مثل تحسين الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار. في مثل هذه الظروف، تميل الحكومات إلى اتخاذ خطوات تدريجية، تبدأ بالفئات العاملة لتحريك الاقتصاد، ثم تنتقل إلى ملفات أكثر تعقيدًا.
ورغم ذلك، هذا لا يعني أن ملف المتقاعدين غير مطروح. على العكس، هناك دليل واضح على أن الدولة تعالجه ولكن بشكل منفصل، وهو صدور المرسوم رقم 103 لعام 2025، الذي نص بشكل صريح على زيادة المعاشات التقاعدية. هذا يؤكد أن هذا الملف موجود ضمن السياسات العامة، لكنه لا يُدمج عادة مع مراسيم زيادة الأجور.
من هنا، يمكن فهم أن عدم شمول المتقاعدين في المرسوم الحالي لا يعني تجاهلهم، بل يعكس طريقة مختلفة في إدارة هذا الملف، تقوم على الفصل بين الأجور والمعاشات، ومعالجة كل منهما بأدوات مناسبة.
أما بالنسبة للمستقبل، فإن معالجة ملف المعاشات التقاعدية تحتاج إلى خطوات مدروسة وواضحة. تبدأ هذه الخطوات بإعادة تنظيم بيانات المتقاعدين بشكل دقيق، ومعرفة الأعداد الحقيقية والفئات الأكثر حاجة، لأن أي قرار ناجح يجب أن يقوم على معلومات دقيقة.
بعد ذلك، يتم تقييم وضع صناديق التقاعد، ومعرفة قدرتها على تمويل الزيادات، وتحديد حجم الدعم المطلوب من الدولة إن وجد. ثم تأتي مرحلة ربط أي زيادة بموارد حقيقية، بحيث تكون مستدامة وليست مؤقتة.
ومن الحلول الواقعية أيضًا اعتماد مبدأ الزيادات التدريجية، بحيث يتم رفع المعاشات على مراحل، بدل زيادات كبيرة دفعة واحدة قد لا يمكن الاستمرار بها. كما يمكن مستقبلاً التفكير بربط المعاشات جزئيًا بمؤشرات اقتصادية مثل التضخم، وهو ما يساعد على حماية القوة الشرائية للمتقاعد مع مرور الوقت.
كل ذلك يعني أن ملف التقاعد لا يُحل بقرار واحد، بل يحتاج إلى مسار متكامل يجمع بين العدالة الاجتماعية والاستقرار المالي.
وفي إطار الطرح المسؤول، يبقى من المهم التأكيد أن المتقاعدين هم فئة خدمت الدولة لسنوات طويلة، وكثير منهم اليوم يواجه تحديات معيشية حقيقية، لذلك فإن تحسين أوضاعهم يجب أن يكون ضمن أولويات المرحلة القادمة، ولكن بطريقة مدروسة تضمن الاستمرارية.
الخلاصة ببساطة: الزيادة الأخيرة شملت العاملين ولم تشمل المتقاعدين بشكل مباشر، لأن ملف التقاعد يُدار بآلية مختلفة، وهناك سوابق تؤكد أنه يُعالج بقرارات مستقلة. وبالتالي، من المتوقع أن تتم معالجته لاحقًا، لكن ضمن خطة تدريجية ومدروسة تأخذ بعين الاعتبار الواقع الاقتصادي الحالي.
بهذا الفهم، يمكن قراءة القرار بهدوء ووعي، بعيدًا عن الإشاعات، وقريبًا من الصورة الكاملة.
(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
