آخر الأخبار
الرئيسية » العلوم و التكنولوجيا » بين ضفتَي الأطلسي… أوروبا تُضيّق الخناق وأميركا تتوعّد

بين ضفتَي الأطلسي… أوروبا تُضيّق الخناق وأميركا تتوعّد

 

سُكينة السمرة

 

لم تعد ساحة الصراع بين ضفتي الأطلسي تقتصر على الحدود الجغرافية أو الرسوم الجمركية التقليدية، بل انتقلت إلى عمق “السيادة الرقمية”. ففي عام 2026، يشهد العالم ذروة نزاع تقني غير مسبوق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث تتصادم رغبة واشنطن في حماية عمالقة التكنولوجيا مع إصرار بروكسل على فرض القبضة التنظيمية.

 

 

 

أسباب النزاع

 

يفرض الاتحاد الأوروبي قوانين تنظيمية صارمة على شركات التكنولوجيا العاملة في السوق الأوروبية، مثل قانون الأسواق الرقمية (DMA) وقانون الخدمات الرقمية (DSA)، اللذين يضعان ضوابط على ممارسات الهيمنة والمنصات الكبيرة، ويشملان مطالبات بالشفافية وتقييد بعض الممارسات. وترى الولايات المتحدة أن هذه القواعد تُثقل كاهل الشركات الأميركية الكبرى وتُعاملها بشكل غير عادل مقارنةً ببقية الشركات.

 

 

 

 

 

وفي هذا السياق، اعتبر أمين أبو يحيى، المتخصص في الذكاء الاصطناعي من واشنطن، في حديث لـ”النهار”، أن التشدد التنظيمي الذي تعتمده أوروبا حالياً، ولا سيما عبر تشريعات مثل (DMA) و(DSA) وAI Act، يُحدث تأثيراً مزدوجاً على شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، وفي مقدّمها أبل وغوغل وميتا وغيرها.

 

وأوضح أن هذه القوانين، من جهة، تهدف إلى تعزيز المنافسة العادلة، وحماية خصوصية المستخدمين، والحد من المخاطر النظامية التي تفرضها هيمنة المنصات الكبرى، وهي أهداف مشروعة في ظل التركّز الكبير للسوق الرقمية. إلا أن هذا الإطار التنظيمي، من جهة أخرى، يفرض عملياً تكاليف امتثال مرتفعة جداً تُقدَّر بمليارات الدولارات سنوياً، خصوصاً على الشركات الكبرى. كما يؤدي إلى تأخير طرح ميزات وخدمات جديدة في أوروبا، وأحياناً إلى إدخال تعديلات جذرية على نماذج الأعمال، مثل التغييرات في متاجر التطبيقات، وأنظمة الإعلانات المستهدفة، أو آليات الإشراف على المحتوى.

 

وأشار أبو يحيى إلى أن هذه السياسات أسفرت بالفعل عن فرض غرامات ضخمة وصلت في بعض الحالات إلى مئات الملايين، بل مليارات اليوروات، وإلى شكاوى متكررة من الشركات بأن التكاليف تتجاوز الفوائد العائدة بالفعل على المستهلكين .

 

 

 

التصعيد والتوترات

 

هددت الإدارة الأميركية باستخدام رسوم جمركية انتقامية أو عقوبات اقتصادية ضد شركات أوروبية في حال لم يتراجع الاتحاد الأوروبي عن بعض إجراءات تنظيم السوق الرقمية، ما يمثل خطوة غير مسبوقة في النزاعات التقنية.

 

وفرضت الولايات المتحدة أيضًا حظر تأشيرات دخول على خمسة مسؤولين أوروبيين بارزين في مجال تنظيم التكنولوجيا، بدعوى أنهم يسعون إلى ممارسة الرقابة. وأثار هذا ردود فعل أوروبية غاضبة واتهامات بمحاولة التدخل في السيادة التنظيمية الأوروبية.

 

 

 

أمّا من ناحية الشركات واستراتيجياتها، فيرى أبو يحيى أن هناك مؤشرات على اتجاه بعض الشركات إلى التهديد بالانسحاب الجزئي، أو إلى اعتماد نسخ أوروبية مخصّصة من منتجاتها الرقمية تتلاءم مع المتطلبات التنظيمية المحلية.

 

 

 

ومع ذلك، تبقى السوق الأوروبية، التي تضم أكثر من 450 مليون مستهلك يتمتعون بقدرة شرائية مرتفعة، سوقاً استراتيجية بامتياز، ما يجعل من غير المرجّح أن تُقدم الشركات الكبرى على التخلي عنها بشكل كامل. والأرجح أن تتجه هذه الشركات إلى اعتماد استراتيجية “التكيّف المستمر”، عبر مواءمة منتجاتها ونماذج أعمالها مع الإطار التنظيمي الأوروبي بدل مغادرته.

 

 

مواقف الطرفين

 

الاتحاد الأوروبي يصرّ على أن قواعده التنظيمية ضرورية لحماية المستهلكين وتعزيز المنافسة العادلة وضمان حرية التعبير وتنظيم الأسواق الرقمية وفقاً لحقوقه السيادية. ويدافع المسؤولون الأوروبيون أن هذه القواعد تطبق على جميع الشركات العاملة في الاتحاد، بغض النظر عن منشئها.

 

الولايات المتحدة ترى في تلك القواعد عقوبات غير عادلة تستهدف بشكل أساسي الشركات الأميركية وتعيق منافستها في أكبر سوق موحد في العالم، وتستخدم نفوذها التجاري للضغط على أوروبا لتخفيف هذه القواعد.

 

 

 

جذور التباين الأميركي الأوروبي

 

 

 

من جهته، اعتبر أبو يحيى أن الولايات المتحدة تتبع نهجاً مختلفاً تماماً عن الاتحاد الأوروبي في تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى، وهذا الضعف النسبي في القواعد الصارمة يعود إلى أسباب رئيسية واضحة من أهمها الثقافة الاقتصادية الأميركية التي تركز بشكل كبير على الحرية الابتكارية والنمو السريع، فالتنظيم الثقيل يُنظر إليه كعائق أمام الريادة العالمية في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

 

 

 

وأوضح أن العامل الثاني يتمثل في نفوذ اللوبيات القوي والانقسام السياسي في الكونغرس حيث يعيقان إقرار قوانين فيدرالية شاملة للخصوصية أو المنافسة، على عكس الاتحاد الأوروبي الذي يعتمد إجماعاً أكثر تماسكاً.

 

 

 

وأضاف أن النهج الأميركي يتسم بطابع قطاعي ومجزّأ، إذ تتوزع الصلاحيات التنظيمية بين هيئات متعددة مثل لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) ووزارة العدل (DOJ)، في حين تعتمد أوروبا أطراً تنظيمية موحّدة ومتكاملة.

 

 

 

في المحصّلة، يقف النزاع الأميركي–الأوروبي حول تنظيم شركات التكنولوجيا عند مفترق طرق حساس. فإما أن يتحول إلى نموذج عالمي متوازن يوفّق بين حماية المستهلك وضمان المنافسة العادلة من جهة، والحفاظ على دينامية الابتكار والاستثمار من جهة أخرى، أو أن ينزلق نحو مواجهة اقتصادية مفتوحة…

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قبل شراء آيفون مستعمل: 11 خطوة أساسية لضمان صفقة آمنة

يشهد الآيفون المستعمل إقبالًا واسعًا في الأسواق، نظرًا لكونه خيارًا ذكيًا لمن يرغب في اقتناء هاتف من «أبل» بأسعار أقل من الجديدة. لكن، مثل أي ...