آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » بين وهمين: لماذا لا ننجو بالإخضاع ولا بالانفصال

بين وهمين: لماذا لا ننجو بالإخضاع ولا بالانفصال

 

 

أنس جودة

 

يُعاد طرح الأزمة في بلدان الصراع كاختيارٍ حادٍّ: إمّا وحدةٌ تُفرض بالقوة، أو انفصالٌ يُقدَّم خلاصاً. هذا الإطار مغلوطٌ من الأساس، لأنه لا يقدّم حلاً، بل يعيد تدوير المأزق نفسه بصيغتين مختلفتين.

 

الوحدة بالإخضاع ليست وحدةً، بل تعليقاً مؤقّتاً للصراع. سلطةٌ مركزيةٌ بلا عقدٍ تطلب الطاعة دون شراكة، وتُسمّي السيطرة استقراراً. قد تنجح هذه الصيغة في ضبط السطح، لكنها تُراكم غضباً مؤجّلاً. فالإخضاع لا يُنتج ولاءً، بل يؤخّر العصيان؛ وكل تأجيلٍ بالقوة يجعل الانفجار أعنف حين يقع. من يظنّ أن القهر طريقُ الوحدة يخلط بين الشكل والجوهر: ما يُمسك بالقيد لا يدوم بالعصب.

 

في المقابل، يُستدعى الانفصال بوصفه تحرّراً من هذا القهر. لكنه لا يخرج من الأزمة، بل يلتفّ حولها. التفتيت لا يزيل علّة الصراع، بل يُجزّئها. وغالباً ما ينتهي “الاستقلال” إلى كياناتٍ هشّةٍ تفاوض سيادتها بدل أن تمارسها، وتستبدل مركزاً واحداً بعدّة مراكز نزاع. ما يبدو خلاصاً سريعاً يتحوّل إلى تبعيةٍ مُجزّأةٍ وصراعاتٍ أصغر لا تنتهي.

 

المشكلة ليست في التنوّع ولا في الاختلاف، بل في منطق التعطيل الذي يحكم الخيارين. السلطة التي تفرض الوحدة بالقوة تُغلق باب السياسة، فتدفع المجتمع للبحث عن مخارج خارج الدولة. وحين تُغلق السياسة، تُفتح الجغرافيا. عندها لا يعود التفتيت مؤامرةً بقدر ما يصبح لغةَ الاعتراض الوحيدة المتاحة. وفي الاتجاه المعاكس، يبرّر خطاب الانفصال مزيداً من التشدّد المركزي. هكذا يتغذّى الوهمان من بعضهما، ويغيب الحل القابل للحياة.

 

الإخضاع لا يصنع وحدةً، بل يؤجّل انفجارها؛ والتفتيت لا يصنع دولةً، بل يبعثر سيادتها.

 

البديل ليس قبضةً أشدّ ولا حدوداً جديدة، بل عقداً. عقداً يوزّع السلطة بدل احتكارها، ويحوّل المشاركة من منّةٍ إلى حقٍّ، ويجعل اللامركزية قاعدةً دستوريةً لا أداةً إداريةً. عقداً يعالج الماضي بعدلٍ بلا ثأر، ويُنهي الصراع على الموارد بتوزيعٍ واضحٍ وعادلٍ. هذا الطريق أصعب وأبطأ، لكنه الوحيد القابل للاستمرار.

 

من يريد الوحدة لا يفرضها، بل يُقنع بها. ومن يريد الدولة لا يسيطر، بل يشارك.

 

الإخضاع يُبقي الصراع كامنًا، والانفصال يُجزّئه ولا يُنهيه.

أمّا العقد، فهو الخيار الصعب الوحيد الذي يُنتج دولةً قابلةً للحياة.

 

سوريا لك السلام

(اخبار سوريا الوطن 1-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الليرة القوية

عمران محفوض: “لا صوت يعلو فوق صوت المصرف المركزي”.. ثقة مطلقة يجب أن تكون هي السائدة مالياً ونقدياً على ساحة الوطن؛ فالوقت ليس متاحاً للاجتهادات ...