آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » تحديات المرحلة التالية بعد توحيد الدولة

تحديات المرحلة التالية بعد توحيد الدولة

 

عبد الرحمن الحاج

 

 

 

بحلول نهاية عام 2024 كانت سوريا قد صارت بلداً منهكاً إلى حدّ الانهيار الشامل: أجزاء كبيرة من المدن مدمّرة، ملايين اللاجئين والنازحين بين المخيمات ودول الجوار، بنية تحتية متهالكة، والمؤسسات الحكومية شبه مشلولة، فيما العلاقات الدولية مقطوعة أو متدهورة إلى أقصى حد، في ظل عقوبات اقتصادية قاسية طوقت الدولة والمجتمع معاً.

 

البلاد عملياً مقسّمة على شكل مناطق نفوذ، وأربع جيوش أجنبية على الأرض السورية، تنتشر الميليشيات والسلاح في كل مكان، ويتفشى اقتصاد الجريمة، وتصنيع وتجارة الكبتاغون الذي تحوّل إلى مورد عابر للحدود وتهديد أمني وسياسي لدول الجوار والمحيط الإقليمي، وأكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر بحسب الأمم المتحدة.

 

إلى جانب هذا الإرث الثقيل، واجهت السلطة الجديدة بيئة إقليمية متناقضة، بعض الأطراف سعت، بدرجات متفاوتة، إلى منع استقرار سوريا أو إبقائها في حالة هشاشة دائمة، وفي مقدمتها إسرائيل وإيران وأطراف أخرى ترددت باحتضان التغيير الهائل الذي حدث بسقوط نظام الأسد وبزوغ نظام جديد.

 

على مسافة عام من يوم دخول الرئيس الشرع إلى دمشق في 8 /12/ 2024، يمكننا أن نرى بوضوح أنه وضع لنفسه أولويات واضحة للمرحلة الأولى من الحكم، تمثلت في ثلاثة ملفات مترابطة: توحيد البلاد، تعزيز الأمن، وتسوية العلاقات الدولية بما يفضي إلى رفع العقوبات وتحويل البيئة الإقليمية إلى بيئة مستقرة قائمة على احترام السيادة وعدم تصدير الأزمات. وهي ملفات تشكّل شرطاً لأي انتقال لاحق نحو التعافي أو البناء، إذ لا يمكن الحديث عن اقتصاد أو مؤسسات في ظل الانقسام، أو غياب الأمن، أو العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية القاسية.

 

وبنهاية العام الأول من ولايته، يمكن القول إن الشرع نجح إلى حد كبير في تسوية هذه الملفات الثلاثة. فقد أُنجز توحيد البلاد فعلياً، واستُعيد الحد الأدنى من الاستقرار الأمني، وأُعيد فتح قنوات العلاقات الدولية، ورفع العقوبات جميعها. بمنظور تجارب الانتقال السياسي هذا نجاح باهر في وقت قياسي. وبتحقق هذه الشروط، بات الانتقال إلى المرحلة التالية أمراً محتما: مرحلة التركيز على الاقتصاد وإطلاق عجلة التنمية، وبناء مؤسسات الدولة.

 

في المستوى الاقتصادي: أتاح توحيد البلاد سيطرة الدولة على الموارد المالية الأساسية، ولا سيما خزان الإنتاج الزراعي في منطقة الجزيرة السورية، بما يشمله من قمح وقطن. كما فُتحت فرص حقيقية للاستثمار في قطاعات متعددة، بعد سنوات من الانكماش والعزلة.

 

غير أن القطاع المصرفي لا يزال الحلقة الأضعف في هذا المسار. فالبنوك السورية بحاجة إلى وقت وجهد للامتثال للقواعد والمعايير الدولية، وضمان الشفافية، والالتزام الصارم بمتطلبات مكافحة غسيل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. ولا يزال تدفق الأموال من وإلى سوريا يواجه عوائق تقنية وقانونية، في ظل بنية تحتية مصرفية متقادمة، وإطار قانوني يحتاج إلى تحديث شامل. ومع ذلك، يُفترض، وفق المسار المعلن، أن تكون هذه الإشكاليات قد عولجت بنهاية العام الجاري، وأن يبدأ القطاع المصرفي بالعمل التدريجي والمنتظم.

 

لكن تحرير القطاع المصرفي، أو إعادة تفعيله، لا يمكن أن يكون خطوة معزولة؛ فالتجربة المقارنة تظهر أن تدفق الأموال، في غياب رؤية تنموية واضحة، قد يتحول إلى عبء أو مصدر اختلال بدل أن يكون أداة تعافٍ. لذلك، يصبح من الضروري أن يرتبط فتح البنوك بخطة تنمية شاملة، تحدد أولويات الاستثمار، وتربط التمويل بإعادة الإعمار، وخلق فرص العمل، وبناء القطاعات الإنتاجية. فالتنمية لا تتحقق تلقائياً مع توفر المال، بل تحتاج إلى تخطيط، وحوكمة، وربط واضح بين الموارد والنتائج، وهذا لا يغيب عن ذهن الرئيس بالتأكيد.

 

في موضوع بناء مؤسسات الدولة: الواقع أنه يمثل التحدي البنيوي الأكبر للرئيس الشرع، فهو يعيد تشكيل الدولة العميقة والأنظمة المتعلقة بها، في وقت لا يزال استكمال تشكيل السلطات الثلاث عملاً غير منجز.

 

وهذه النقطة يجب أن تبدأ من بدء مجلس الشعب عمله بوصفه سلطة تشريعية فاعلة، وتشكيل المحكمة العليا، وإعادة تشكيل وتفعيل مجلس الدولة، بموازاة العمل على تكريس استقلال القضاء بشكل كامل عن الجهاز التنفيذي، ضمن حدود الإعلان الدستوري، بحيث يكون مجلس القضاء الأعلى هو صاحب السلطة الكاملة على شؤون السلطة القضائية، بينما تقتصر مهام وزارة العدل على الجوانب الإدارية والتنظيمية المرتبطة بالدولة والجهاز التنفيذي. السلطة التشريعية والسلطة القضائية توفران الأدوات الرئيسية لبناء مؤسسات الدولة.

 

وفي هذا الإطار، يُسجَّل لوزارة العدل نجاحها خلال الفترة الماضية في هيكلة الجهاز القضائي، وتخليصه من إرث نظام الأسد، تمهيداً لتسليمه إلى مجلس القضاء الأعلى بعد استكمال عملية الإصلاح، وترسيخ استقلاله بوصفه أحد أعمدة الدولة الحديثة.

 

يشكّل التطوير الإداري التحدي الأول الذي سيواجهه الرئيس، فقد ورثت الدولة الجديدة مؤسسات حكومية متخمة بالموظفين بأعداد تفوق الحاجة الفعلية بأكثر من الضعف، مع مستويات متدنية من الكفاءة والتأهيل، ولا سيما في التعيينات التي تمت بعد عام 2011. كما تعاني هذه المؤسسات من اختلالات واضحة في التوازن الديمغرافي، لا تعكس التوزع السكاني السوري جغرافياً ولا تنوعه، ويضاف إلى ذلك أن البنية التحتية الإدارية، من مبانٍ وتجهيزات وأنظمة عمل، إما مدمّرة أو متقادمة إلى حد لم تعد معه صالحة منذ ما يقارب عقدين.

 

أما البيروقراطية، وهي الأهم، فهي إحدى أكثر المشكلات استعصاءً. فآليات إنجاز المعاملات وإنتاج الوثائق لا تزال قديمة، طويلة جدا، ومعقدة، وتفتقر إلى الرقابة القانونية الصارمة، وغالباً ما تتحول إلى عائق أمام المواطنين، وستشكل عائقاً حقيقياً أمام عجلة التنمية، مما يضطر السلطات لتجاوزها أو تجاهلها لتحقيق إنجازات ملموسة.

 

تحديث الإدارة البيروقراطية لا يقتصر على الرقمنة أو تبسيط الإجراءات، وهي أمور جوهرية، بل يشمل أيضاً بناء ثقافة وظيفية جديدة. فجيل واسع من العاملين الذين أُدمجوا في مؤسسات الدولة، من دون خبرة سابقة في العمل الحكومي، يحتاج إلى تعلم مفاهيم الامتثال، وآليات عمل الدولة، ومنطق المصلحة العامة، وقيم الحكم الرشيد. وهي ثقافة غابت عن سوريا منذ خمسينيات القرن الماضي، مع تحوّل الدولة إلى أداة حزبية في ظل حكم البعث.

 

في المحصلة، يشكّل ملفا الاقتصاد وبناء مؤسسات الدولة منظومة واحدة مترابطة، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر أو تقديمه عليه. فكل منهما شرط ونتيجة في آن واحد، ويتبادلان التأثير في حلقة صاعدة: اقتصاد بلا مؤسسات ينتج الفوضى، ومؤسسات بلا اقتصاد تنتج الشلل. لذلك، يتطلب النجاح تركيز العمل فيهما بشكل متوازٍ، ومتوازن، دون افتراض أن أحدهما مدخل حصري للآخر.

 

ولا شك أن التقدم الكامل في هذين الملفين يرتبط باستحقاقات سياسية وأمنية قائمة، في مقدمتها ضمان تنفيذ الاتفاق مع تنظيم “قسد” تنفيذاً كاملاً، وتوقيع اتفاق أمني يمنع الانتهاكات الإسرائيلية مستقبلاً، وإنهاء ملف السويداء. غير أن وجود هذه الملفات المفتوحة لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لتعطيل العمل الاقتصادي والمؤسسي، بل على العكس إلى دافع لتسريعه، بوصفه الطريق الوحيد لترسيخ الاستقرار وتحويله من حالة مؤقتة إلى واقع مستدام.

 

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما وراء اللقاء بين وزير الخارجية الفرنسي وعبدي؟

  منذر عيد   كثيرة هي الرسائل السياسية والأمنية، التي يمكن قراءتها من وراء زيارة وزير الخارجية الفرنسي “جان نويل بارو” إلى سوريا والعراق، ولقائه ...