آخر الأخبار
الرئيسية » العلوم و التكنولوجيا » «تسويق إسرائيل» من الهاسبارا إلى الخوارزميات

«تسويق إسرائيل» من الهاسبارا إلى الخوارزميات

 

علي سرور

 

 

بعد نحو ثمانين عاماً على قيام الكيان العبري، يخرج كتاب «تسويق إسرائيل» لهارييت مالينوفيتز بوصفه إحدى أكثر الدراسات تفصيلاً في تفكيك «الهاسبارا» من نشأتها إلى عصر الخوارزميات. يشرح كيف صيغت سرديات «الضحية» و«الديموقراطية» عبر «التضليل الأخضر» و«التضليل الوردي»، وكيف تُستثمر المنصّات وشركات التكنولوجيا لحماية صورة الاحتلال وتهميش الفلسطينيين

 

 

بعد نحو ثمانين عاماً على إنشاء الكيان العبري، خرج إلى العلن أحد أهمّ الأبحاث وأكثرها عمقاً في دراسة السياسة الدعائية للجماعات الصهيونية منذ ما قبل القرن الماضي وصولاً إلى مساراتها الحالية. ورغم أنّ الكتب الصادرة في هذا الخصوص ليست بقليلة، إلا أنّ «تسويق إسرائيل» (Selling Israel ــ دار Olive Branch Press)، يغوص في تفاصيل الإستراتيجية الدعائية الإسرائيلية بشكل غير مسبوق.

 

ولعلّ ما يميّز هذا البحث العمق، أنّه نتاج متابعة عشرات السنين للكاتبة الأميركية اليهودية هارييت مالينوفيتز، التي شرّحت السردية الصهيونية انطلاقاً من تجربتها الشخصية في مواجهة الأكاذيب الموجّهة لكسب ولاء اليهود حول العالم تارةً، وودّ الشعوب الغربية طوراً.

 

دائماً ما ركزّت إسرائيل على الحرب الدعائية، وإن اختلفت الأهداف بين معركة وأخرى وفقاً للتحدّيات المرحلية. في الآونة الأخيرة، كشف رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، عن الأهميّة المطلقة للسلاح «المعاصر»، في معرض شرحه عن أهميّة السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي مثل تيك توك وإكس، واصفاً إيّاها بـ «الجبهة الثامنة»، أي إلى جانب جبهات القتال العسكرية «الوجودية» الأخرى.

 

لكنّ حتّى قبل بداية العصر الرقمي، وقبله من أدوات دعاية واسعة، أولت الجماعات الصهيونية منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر، أهميّة لتعزيز شبكة الدعاية الإسرائيلية، المعروفة بـ «الهاسبارا». ويعني المصطلح العبري «الشرح والتفسير»، ويُستخدم لوصف جهود العلاقات العامة والدعاية التي تقوم بها إسرائيل لنشر وجهة نظرها وتعزيز صورتها عالمياً، وتبرير سياساتها وأفعالها، ومواجهة الانتقادات الإعلامية، وهي شبيهة بحملات العلاقات العامة الدولية التي تسعى إلى التأثير في الرأي العام العالمي عبر وسائل الإعلام المختلفة.

 

دولة وُلدت بـ«الهاسبارا»

تبيّن مالينوفيتز في كتابها أنّ تسويق فكرة دولة «إسرائيل» لم يكن نتاج مصادفة تاريخية، بل ثمرة توظيف منظّم لـ«الهاسبارا» بوصفها أداة مركزية لتجميع اليهود المشتّتين حول العالم تحت تعريف واحد لـ«الشعب»، رغم اختلاف انتماءاتهم القومية والثقافية. ولتحقيق هذا الهدف، عملت الحركة الصهيونية على صياغة سردية مزدوجة: إقناع القوى العالمية بدعم إنشاء الدولة الجديدة، وحشد طاقات وموارد اليهود خلف الكيان الناشئ، مالياً وبشرياً، عبر تقديمه بوصفه «منارة للديموقراطية»، بالتوازي مع شيطنة أي مقاومة عربية أو فلسطينية باعتبارها تهديداً وجودياً.

 

واعتمدت مؤلّفة العمل، الذي حظي بإشادة مجلّة «ببلشرز ويكلي» لكونه «يتحدّى الروايات السائدة بدقّة»، على خبرة تراكمت عبر عقود من البحث في أدوات وتكتيكات «الهاسبارا». وعبر هذا المسار، توصّلت إلى استخلاص ملامح إستراتيجية متكاملة رافقت المشروع الصهيوني منذ انطلاقته، تبدأ من مفهوم «بناء الصورة الوطنية» (nation branding)، أي تحويل الدولة إلى علامة «تجارية» قابلة للتسويق عالمياً، عبر إبراز عناصر قوّتها الثقافية والاقتصادية والسياسية، بما يضمن لها الاعتراف والنفوذ والشرعية الدولية.

 

في هذا الإطار، لجأت الدعاية الصهيونية إلى «القوة الناعمة» بوصفها وسيلة إقناع بديلة من الإكراه، مع التركيز على الثقافة والفنون والديبلوماسية العامة والسياسة الخارجية. كما اعتمدت على ما يُعرف بـ«التضليل الأخضر» (greenwashing)، عبر الترويج لخطاب بيئي زائف يدّعي وضع حماية الطبيعة في صلب الأولويات السياسية، في وقت لم تتردّد فيه إسرائيل في تدمير المساحات الخضراء في الضفة الغربية وجنوب لبنان وحرقها.

 

أما في مرحلة لاحقة، فقد برز «التضليل الوردي» (pinkwashing) كأحد أكثر الأساليب استخداماً لتجميل صورة الدولة، عبر تبنّي قضايا المثليين والمتحوّلين جنسياً، وتقديمها دليلاً على «تقدّمية» إسرائيل وإنسانيتها. علماً أنّ قادتها السياسيين مطلوبون للعدالة الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب خلال الإبادة الأخيرة في غزة.

 

سخّرت إسرائيل

شركات التكنولوجيا الكبرى للسيطرة على السردية

 

 

ومع التحوّل الرقمي وتصاعد الحراك الشبابي في الشوارع الغربية، سخّرت إسرائيل شركات التكنولوجيا الكبرى، وفي مقدّمتها «ميتا»، للسيطرة على السردية وحماية صورتها. ولم يتردّد نتنياهو في التفاخر، في نهاية العام الماضي، بنجاح دولته في السيطرة على فرع تيك توك الأميركي، المنصّة التي لعبت دوراً محورياً في كشف الجرائم المرتكبة في غزة أمام أكثر من 170 مليون مستخدم أميركي، وما أسفر عن ذلك من تغيّر دراماتيكي في الرأي العام حيال القضية الفلسطينية.

 

تشكّل الوعي داخل «الفقاعة»

تكتب مالينوفيتز بأسلوب اعترافي مقنع عن فاعلية «الهاسبارا»، مستذكرة كيف نشأت، بوصفها يهودية أميركية، داخل منظومة من «القصص والأقوال والمعتقدات» التي كانت تُتداول داخل مجتمعها بوصفها حقائق بديهية، وتُغذّي نفسها ذاتياً من دون مساءلة. هذا الاعتراف الشخصي يتحوّل في الكتاب إلى مدخل جريء لتحدّي السرديات السائدة، لا من خارجها، بل من قلبها.

 

وتطرح الكاتبة أسئلة مركزية تتمحور حول كيفية إقناع مجموعة صغيرة من مفكّري أوروبا الشرقية يهود العالم بأنهم «شعب واحد» يواجه خطراً واحداً، وله خلاص واحد، وتسويق هذا المشروع للعالم بوصفه تحرّراً أخلاقياً نبيلاً، لا يخلّف ضحايا ولا أضراراً جانبية.

 

تتمحور إجابات هذه الأسئلة في كتاب «تسويق إسرائيل»، الذي يدرس «الهاسبارا» بوصفها حملة علاقات عامة عالمية، لا تكتفي بتلميع الصهيونية، إنّما تعمل في الوقت نفسه على تهميش المظلومية الفلسطينية، وترسيخ أساطير تأسيسية، أبرزها مقولة «الأرض الخالية».

 

لكنّ اهتمام مالينوفيتز لم ينبع من موقع عدائي مسبق، بل من تجربة نشأة قُدّمت لها فيها إسرائيل كـ«ملاذ للنجاة»، ومكان «مثالي» لأن جميع سكانها يهود، من سائقي الحافلات إلى رجال الشرطة. لكن الصورة النمطية المتجانسة سرعان ما تصدّعت تدريجاً مع زيارات مالينوفيتز المتكرّرة إلى الكيان، وإقامتها في الكيبوتسات، واحتكاكها المباشر بواقع لا يشبه الرواية التي تلقّتها.

 

بدأت الرواية تتصدّع من الداخل، بعدما شكّلت مشاهدات الكاتبة الأميركية للعمّال الفلسطينيين في الحقول، الممنوعين من مشاركة أعضاء الكيبوتس استراحة الطعام، لحظةً صامتة لكن كاشفة. كما أدركت زيف مقولة «جميع السكان يهود» عندما التقت فلسطينيين في القدس القديمة، قيل لها إنهم «عرب إسرائيليون» بلا أي تفسير منطقي. مع ذلك، ظنّت طويلاً أن المشكلة في فهمها هي، لا في الرواية نفسها.

 

ومع انخراطها في العمل التضامني مع أميركا الوسطى لاحقاً، بدأت تربط بين الدعم العسكري والدعاية، وازدادت صدمتها بعد قراءتها كتاب ليني برينر عن تواطؤ الصهيونية مع النازية. ثم جاءت الانتفاضتان الفلسطينيتان، وكشّر الإعلام الإسرائيلي عن أنيابه مع رفض تل أبيب استقبال لجان تقصّي الحقائق، كنقاط كسرت ما تبقّى من «براءة» السردية الرسمية.

 

من جانبٍ آخر، تصف مالينوفيتز قراءتها لكتاب إيلان بابيه «تاريخ فلسطين الحديثة» بأنها لحظة مفصلية، إذ أدركت أنّ عام 1948، لا 1967، هو مفتاح الفهم. كما خلصت إلى قناعة أخرى، أنّ التغيير لن يأتي من داخل الكيان، بل من الفلسطينيين وحلفائهم.

من هنا، تبلورت فكرة الكتاب، بعد عقدين من البحث في الدعاية وتحليل الخطاب، لتدمج الصهيونية بوصفها مشروعاً سياسياً، مع أدوات التضليل التي رافقته منذ نشأته.

 

الهولوكوست كسلاح دعائي

تفكّك الكاتبة الاستخدام الانتقائي للمحرقة النازية، مبيّنة أنّ استحضارها لم يكن مركزياً في الخطاب الإسرائيلي المبكر، بل عُدّ الناجون منها «وصمة ضعف». ثم تحوّلت لاحقاً إلى أداة إستراتيجية تُستدعى عند الحاجة إلى تبرير العنف، أو إلى جمع التبرعات، أو إلى استدرار التعاطف الدولي، عبر تثبيت صورة إسرائيل كضحية أبدية مهدَّدة بالإبادة.

 

تنتقد مالينوفيتز ادّعاء الصهيونية تمثيل «جميع اليهود»، معتبرة ذلك شكلاً كلاسيكياً من الدعاية، شبيهاً بحركات ادّعت يوماً التحدّث باسم «الجميع» بلا تفويض. وتفكّك الخلفية الاشتراكية للكيبوتسات، مظهرة كيف كانت أقرب إلى أيديولوجيا تعبويّة تخدم المشروع الصهيوني، قبل أن تتخلّى عن طوباويتها مع التحوّل النيوليبرالي.

 

تستعرض أيضاً البدائل التي حوربت أو شُوّهت، من الاندماج، إلى «البوند»، إلى الصهيونية الثقافية، مقابل فرض فكرة إسرائيل بوصفها «الحل الوحيد» لمعاداة السامية.

 

في سياق متّصل، ترى مالينوفيتز أن عبارات مثل «أرض بلا شعب» و«جعل الصحراء تزهر» ليست سوى «أغانٍ تسويقية» رسخت بفعل التكرار، رغم سخافتها. الأخطر، وفقاً للكاتبة، هو إنكار نكبة 1948، والتشكيك المصطنع بها، عبر خلق روايتين متوازيتين يُطلب من الجمهور التعامل معهما على قدم المساواة، في نموذج مستعار من صناعات التضليل الكبرى.

هذا التشكيك، حين يُترك من دون مساءلة، يُسقط المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن التهجير، ويحوّل الجريمة إلى «خلاف سردي».

 

تفكيك الدعاية كشرط للتحرّر

يقدّم كتاب «تسويق إسرائيل» تفكيكاً دقيقاً لكيفية تحويل الخداع إلى عقيدة، واستثماره في استدامة الاحتلال والاستيطان والإبادة. وهو، بذلك، لا يكتفي بنقد السردية الصهيونية، بل يضعها في سياقها الإمبريالي الاستيطاني، بوصفها جزءاً من منظومة هيمنة أوسع.

وعليه، يُعدّ هذا العمل مرجعاً أساسياً لفهم آليات الدعاية التي تقف خلف واحدة من أطول قضايا التحرّر الإنساني. وعبر تفكيك شيفرة هذه الدعاية، تنطلق مسيرة التحرّر من قيود السردية الصهيونيّة التي تعدّ العمود الفقري لهذا الكيان.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عام 2026 قد يشهد أفضل هاتف اقتصادي في تاريخ أبل… ما هو؟

  تستعد شركة “أبل” لإطلاق جيل جديد من هواتفها الاقتصادية تحت اسم iPhone 17e، وسط توقعات بأن يشكل هذا الجهاز نقلة نوعية داخل الفئة المنخفضة ...