فؤاد الوادي:
تواصل الدولة السورية جهودها للدفع بعجلة التعافي والتنمية الاقتصادية، عبر العمل الدؤوب على فتح آفاق التصدير أمام المنتجات الصناعية الوطنية إلى أوروبا، وذلك ضمن استراتيجية حكومية لدعم الصناعات السورية وتعزيز تنافسيتها على المستوى العالمي.
ويؤكد باحثون اقتصاديون أن العمل الحكومي على تعزيز ودعم القطاع الاقتصادي بمختلف مجالاته وعناوينه هو امتداد لجهود الدولة السياسية والدبلوماسية خلال الأشهر القليلة الماضية، التي أثمرت إنجازات ونجاحات نوعية، ولا سيما فيما يتعلق برفع العقوبات والعودة إلى السوق المالية، فيما يمكن اعتباره رديفا للعمل السياسي من أجل النهوض، وتعزيز علاقات وتعاون سوريا مع دول العالم بعد قطيعة وعزلة لسنوات وعقود نتيجة سياسات “النظام الأسدي”.
إعادة تفعيل الدور الاقتصادي على الساحة الدولية
ويرى الخبير الاقتصادي في التخطيط الاستراتيجي مهند الزنبركجي في حديث خاص لـ”الثورة السورية” أن انفتاح المنتج السوري على الأسواق الأوروبية يشكل إحدى الفرص المفصلية لإعادة تفعيل الدور الاقتصادي لسوريا على الساحة الدولية، في ظل بيئة عالمية تتسم بتقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية بين الدول، حيث أصبح الوصول إلى السوق الأوروبية ليس هدفا تجاريا بحتا بحد ذاته، بل خطوة في طريق التحول الشامل في مسار الصناعة الوطنية، وتوجه جديد يؤكد قدرتها على التكيف مع المتطلبات الحديثة والمنافسة في أسواق عالية المعايير.
وأكد الزنبركجي أن هذا التوجه ينطلق من إدراك متزايد لأهمية التصدير كأداة للنمو الاقتصادي، حيث تسهم زيادة الصادرات في تحريك عجلة الإنتاج واستثمار الطاقات الصناعية المتاحة، كما يؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على اليد العاملة وخلق فرص عمل جديدة وتحسين مستويات الدخل، الأمر الذي يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحد من البطالة، ولا سيما في المناطق الصناعية. وبذلك، يتحول التصدير من نشاط اقتصادي بحت إلى أداة فاعلة لتحقيق تنمية متوازنة ذات بعد اجتماعي ملموس، كما يدفع التوجه نحو الأسواق الأوروبية الصناعيين إلى تحسين جودة منتجاتهم وتطوير أساليب العمل، بما يرفع من مستوى التنافسية ويمنح المنتج السوري حضورا أكثر ثباتا واستدامة في الأسواق الخارجية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي تؤديه المؤسسات الداعمة للقطاع الصناعي، وعلى رأسها غرفة صناعة دمشق وريفها، من خلال تنظيم جلسات تعريفية وبرامج توعوية متخصصة تهدف إلى تأهيل الصناعيين وتمكينهم من فهم متطلبات السوق الأوروبية، سواء على الصعيد الفني أو التشريعي أو الإداري. وتسهم هذه الجهود في بناء قدرات الصناعيين وتعزيز ثقافة الجودة والالتزام، بما يدعم استدامة العملية التصديرية ويحد من المخاطر المرتبطة بها.
ومن جهة أخرى، وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن أثر تصدير المنتجات السورية إلى أوروبا لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادا سياسية وتنموية أوسع. فتعزيز التعاون الاقتصادي يشكل مدخلا عمليا لإعادة بناء جسور الثقة وفتح قنوات للحوار والتقارب، بما يهيئ بيئة أكثر إيجابية للتعاون على مختلف المستويات، وغالبا ما تشكل المصالح الاقتصادية المشتركة قاعدة صلبة لعلاقات سياسية أكثر توازنا واستقرارا.
كذلك تبقى مسألة الالتزام بالمعايير الأوروبية عاملا حاسما في نجاح المنتج السوري في هذه الأسواق، فاستعادة ثقة المستهلك الأوروبي تتطلب التقيد بالمواصفات القياسية المعتمدة واحترام معايير الجودة والسلامة والاستدامة البيئية، إلى جانب الدقة في تنفيذ العقود والشفافية في التعامل. كما أن تطوير منظومات الإنتاج والتغليف والتسويق يسهم في تعزيز القيمة المضافة للمنتج السوري ورفع قدرته التنافسية.
المرونة الإنتاجية والقدرة على التكيف
ضمن هذا المنحى، يتابع الزنبركجي حديثه بالقول إن ما يعزز فرص نجاح المنتج السوري امتلاكه لعدة عناصر قوة، في مقدمتها السمعة الإيجابية التي راكمها عبر سنوات طويلة، إضافة إلى الموقع الجغرافي القريب من أوروبا، الذي يخفف من أعباء النقل والتكاليف اللوجستية. كما يتميز القطاع الصناعي السوري بمرونة إنتاجية وقدرة على التكيف مع متطلبات الأسواق المتنوعة، إضافة إلى توفر طاقات إنتاجية غير مستغلة يمكن توجيهها لخدمة أهداف التصدير والتنمية.
وفي المحصلة، فإن تصدير المنتجات السورية إلى أوروبا يمثل خيارا استراتيجيا يتجاوز تحقيق العائد الاقتصادي المباشر، ليصبح أداة لإعادة بناء الثقة وتعزيز الشراكات الدولية ودعم مسار التنمية المستدامة. إنها عملية تراكمية تتطلب رؤية واضحة وتنسيقا بين مختلف الجهات والتزاما مستمرا من الصناعيين، بما يجعل من الاقتصاد جسرا حقيقيا للانفتاح والتكامل مع العالم، وخطوة ثابتة نحو مستقبل أكثر استقرارا وحضورا على الساحة الدولية.
ويعتبر حصول المنتجات السورية على شهادات دولية معترف بها أمرا ضروريا لتسهيل ولوجها إلى الأسواق الأوروبية، ومن هذه الشهادات “شهادة OEKO-TEX Standard 100” الخاصة بالمنتجات النسيجية الآمنة، وشهادتا “GOTS” و”OSE” المتخصصتان بالألبسة العضوية، وشهادتا “RCS/GRS” لدعم المنتجات المعاد تدويرها، إضافة إلى شهادتي “ISO 9001″ (إدارة الجودة) و”ISO 14001” (الإدارة البيئية)، وشهادة “FSC” الخاصة بالتغليف المستدام.
إن فتح باب التصدير إلى أوروبا له آثار إيجابية مضاعفة على الاقتصاد السوري، لأن ذلك من شأنه أن يعود بالعملة الأجنبية إلى سوريا وأن يزيد النقد الأجنبي، وهذا بدوره سوف يسهم في تحريك الأسواق المحلية وسوف ينشط حركة البيع والشراء، ويفتح الباب واسعا أمام فرص عمل جديدة، مبينا أن التصدير هو الطريق العملي الوحيد الذي سوف يحطم قيود وجدران القطيعة والانغلاق، في ظل ضعف القطاعات الإنتاجية الأخرى.
وتبقى الضمانة الوحيدة لتطبيق هذه الخطوة على أرض الواقع متمثلة في التسهيلات والتشريعات التي سوف تقدمها الدولة لإنجازها بشكل سلس وسهل وضمن شروط ومعايير صارمة تتعلق بالجودة والسلامة وحلقات التوريد، لكن في المقابل،
الالتزام بالمعايير والمواصفات القياسية المعتمدة
في هذا الإطار، يمكن قراءة كلام رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها محمد أيمن المولوي خلال جلسة تعريفية بعنوان “طريق المنتج السوري إلى أوروبا” عقدت الأسبوع الجاري، والتي شدد فيها على ضرورة التزام الصناعيين السوريين بكل المتطلبات والمعايير الأوروبية والمواصفات القياسية المعتمدة، والدقة في تنفيذ العقود الموقعة، وتوسيع هذا الالتزام ليشمل كل القطاعات الصناعية.
وأكد أن هذا التوجه يأتي في إطار استراتيجيات الدولة لدعم الصناعات السورية وتعزيز تنافسيتها على المستوى العالمي، وهذا ما يتوافق مع ما قاله عضو غرفة صناعة دمشق حول متطلبات الأسواق الأوروبية نحو الاستدامة البيئية والتحول الرقمي، مشيرا إلى نقاط القوة في المنتج السوري، كالسمعة الجيدة والقرب الجغرافي من أوروبا والمرونة الإنتاجية وانخفاض التكاليف اللوجستية، بالإضافة إلى توفر قدرات إنتاجية غير مستغلة.
وخلال الجلسة، تم استعراض نتائج الزيارة الاستطلاعية إلى إيطاليا، التي قامت بها الغرفة، والتي شملت لقاءات مع اتحادات صناعية وشركات أوروبية، والمشاركة في دورات تدريبية بالمركز الدولي للتدريب التابع لمنظمة العمل الدولية، وعرض الدليل الإرشادي الذي أعدته الغرفة لتحويل المفاهيم النظرية المتعلقة بالتصدير إلى خطوات عملية تلائم الظروف المحلية.
وتمثل هذه الجلسة خطوة عملية ضمن استراتيجية الغرفة لتعزيز تنافسية المنتج السوري وترسيخ حضوره في الأسواق الدولية، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وفتح آفاق جديدة للتصدير والتنمية الصناعية المستدامة.
وكانت غرفة صناعة دمشق وريفها أرسلت بعثة علمية استطلاعية إلى إيطاليا في تشرين الثاني الماضي، شملت زيارات ولقاءات إلى اتحاد صناعيي شمال إيطاليا، ومعامل تصنيع الأقمشة، ومنشآت صناعية متخصصة بالمكننة الصناعية لإنتاج آلات الغزل والنسيج وصناعة الألبسة المتطورة في مدينة براتو، وذلك بمشاركة منظمة العمل الدولية.
وتعمل الحكومة من خلال “هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات” على تحفيز الإنتاج المحلي وخلق فرص تصديرية واعدة له، من خلال تعزيز العمل بالبرامج والآليات والحوافز الداعمة للعملية التصديرية، لكونها تعد واحدة من أهم مصادر القطع الأجنبي، ولا سيما المنتجات التي تمتلك فيها سوريا ميزة تنافسية عالية.
ويرتكز عمل الهيئة على دعم وتعزيز الصادرات وتشجيع الاستثمار وتنمية وتطوير الإنتاج المحلي وتعزيز تنافسيته، من خلال التعاون مع الجهات المعنية في برامج إعادة إعمار المؤسسات والشركات الإنتاجية السورية بما ينسجم مع مهام الهيئة التي تؤدي دورا مهما في إقامة مناطق اقتصادية نوعية، بما يخدم هدف تطوير الإنتاج المحلي والصادرات.
وتسهم الهيئة في دعم نشاطات اتحادات الغرف وغرف الصناعة والتجارة والزراعة والسياحة واتحاد المصدرين واتحاد الحرفيين واتحاد الفلاحين وفق خطط مسبقة بما يتوافق مع أولويات التنمية، كما تعمل على تطوير التشريعات والأنظمة لتعزيز الدور التنموي للإنتاج المحلي والصادرات، والمساعدة في إزالة العقبات التي تعترض المنتجين والمصدرين في عملهم.
كما تعمل الهيئة على الترويج للإنتاج المحلي وللشركات السورية داخليا وخارجيا من خلال المشاركة في المعارض والمؤتمرات والندوات، وإقامة حملات الترويج متعددة الأغراض والنشاطات، وإصدار النشرات الدورية والسنوية عن أنظمة التجارة السورية والدولية وغيرها، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وفق ما أوضح مدير الهيئة.
وهناك صناعات غذائية ونسيجية سورية تعمل بجودة ممتازة، وتسعى الجهات المعنية للحفاظ على استمراريتها وتعزيز وجودها في الأسواق الخارجية.
وتشكل المعارض جزءا جوهريا من استراتيجية الترويج للمنتجات السورية سواء في السوق المحلية أو للتصدير، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الدعم المالي اللازم لتنظيم هذه المعارض والمشاركة الفاعلة بها.
ويتم العمل على إعادة تفعيل صندوق دعم الصادرات المتوقف، وهو الجهة المسؤولة عن تمويل المشاركة في المعارض الدولية، الذي حال دون تقديم المساعدات اللازمة للشركات السورية.
وتعد المنتجات الزراعية، ولا سيما زيت الزيتون السوري، من المنتجات الاستراتيجية التي يجب دعمها بقوة، وخاصة في ظل توافر فائض في الإنتاج وضرورة الحفاظ على الجودة والسمعة العالمية لهذا المنتج. ودعم صادرات هذا المنتج مستمر بنسبة 7 بالمئة، كما يتم العمل على تفعيل برامج موسمية تتغير حسب الحاجة، مثل برامج سابقة كدعم الحمضيات والتفاح، التي ساهمت في تخفيف الأعباء عن الفلاحين والمصدرين، عبر تحمل جزء من تكاليف النقل والشحن إلى الأسواق الخارجية.
وتم إحداث “هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات” بالقانون رقم 3 للعام 2016 لتحل محل هيئة تنمية وترويج الصادرات المحدثة بالمرسوم رقم 9 للعام 2009، لتحقيق التكامل الفعال بين القطاع الإنتاجي والقطاع التصديري عبر تنفيذ أنشطة وبرامج متنوعة تفيد في تخفيض تكاليف العملية الإنتاجية، وزيادة القدرة التنافسية للصادرات السورية، بما يخدم تطور ونمو الاقتصاد والمجتمع السوري.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
