آخر الأخبار
الرئيسية » من المحافظات » جسر الرستن يقترب من العودة.. ما العوامل التي تحدد موعد افتتاحه؟

جسر الرستن يقترب من العودة.. ما العوامل التي تحدد موعد افتتاحه؟

تدخل أعمال إعادة تأهيل جسر الرستن مرحلتها الأخيرة، بعد تركيب آخر الجوائز الخرسانية، تمهيداً لإعادة فتحه أمام الحركة المرورية خلال وقت قريب، بما يمثله ذلك من استعادة لشريان حيوي انقطع بعد تعرضه للقصف أواخر عام 2024 من قبل طيران النظام المخلوع والقوات الروسية، الأمر الذي تسبب بإلحاق أضرار واسعة في بنيته التحتية.

وبعد تدمير أجزاء من الجسر، تم تحويل السير إلى طرق بديلة أقل كفاءة، ما انعكس على حركة النقل والتجارة في المنطقة، خاصة أن جسر الرستن يكتسب أهميته من موقعه الاستراتيجي على الطريق الدولي M5، الذي يربط الجنوب والعاصمة دمشق بالمناطق الشمالية والشمالية الشرقية وصولاً إلى حلب.

وبفضل هذا الموقع، يشكّل الجسر نقطة وصل رئيسية بين محافظتي حمص وحماة، إضافة إلى كونه يخدم مناطق ذات كثافة سكانية عالية، إلى جانب مناطق صناعية وزراعية تعتمد بشكل مباشر على انسيابية النقل؛ لذا أثّر تدميره على سلاسل الإمداد وحركة البضائع، بما في ذلك المتجهة نحو الأردن ودول الخليج. وعليه، كان مشروع إعادة التأهيل ضرورة ملحّة لضمان استمرارية حركة النقل بين مختلف المناطق.

ويمتد الجسر فوق نهر العاصي بطول يقارب 600 متر، وبارتفاع يصل إلى نحو 100 متر، ما يجعله من أطول الجسور في البلاد، ويتألف من هيكل معقد يضم 15 ركيزة و84 عارضة خرسانية ضخمة، وهو ما يفسّر حجم التحديات التي واجهت فرق العمل خلال عملية إعادة التأهيل. فالأضرار التي لحقت بالأساسات والركائز والجوائز والبلاطات الأساسية كانت كبيرة، واستدعت تدخلاً هندسياً دقيقاً ومتدرجاً لضمان استعادة الجسر لقدرته التشغيلية بأمان.

ونُفّذ مشروع إعادة تأهيل الجسر بالتعاون مع الدفاع المدني السوري، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وبدعم من صندوق الأمم المتحدة الإنساني لسوريا (SHF)، وبالتنسيق مع الجهات الحكومية المختصة، في نموذج يعكس تكامل الجهود المحلية والدولية لإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية.

مشروع معقد وتحديات دقيقة

وعلى الرغم من أن المشروع دخل مرحلته النهائية، فإن موعد الافتتاح الرسمي لم يُحدَّد بشكل دقيق حتى الآن بسبب التغيرات الجوية، إلا أنه متوقع خلال الفترة ما بين 15 و31 أيار 2026، وذلك بحسب ما ذكر مدير المشروع في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، عبد الرزاق الخطيب، في تصريح لـ”الثورة السورية”.

وأكد الخطيب أن تحديد دخول المشروع في مرحلته النهائية جاء بعد استكمال صب جميع الجوائز المتضررة ونقلها عبر الرافعة السحابية إلى مواقعها السابقة، وهي من أهم مراحل العمل نظراً لما قد يشكّله تعطل الرافعة من خطر تأخير الجدول الزمني للتسليم.

وأوضح أنه، عقب الانتهاء من أعمال الرافعة السحابية، يجري العمل على إزالة المعدات الثقيلة من الموقع، بما في ذلك الرافعة والقواعد والسقالات، تمهيداً لفتح المسارات بالاتجاهين واستكمال الأعمال المتبقية، والتي تشمل صب الخرسانة لربط بلاطات الوصل بين الجوائز، وتركيب المحولة الكهربائية وتشغيل أعمدة الإنارة، إضافة إلى التحضير لأعمال التزفيت والتخطيط الحراري، واستكمال تركيب أنظمة السلامة وصيانة ودهان الدرابزينات الحديدية على طرفي الجسر.

ولم تكن عملية إعادة التأهيل سهلة، إذ تخللتها صعوبات تقنية، حيث لفت الخطيب إلى أنه تم إجراء تعديلات على الخطة الأصلية، أبرزها تخفيض عرض أجنحة الجوائز الجديدة بمقدار 40 سم لكل جهة، وزيادة عرض بلاطات الوصل من 80 سم إلى 160 سم، نتيجة اختلاف الحمولة الفعلية للرافعة (140 طناً) عن الحمولة التصميمية (160 طناً).

كما أُضيفت تشاريك من حديد التسليح بقطر 16 مم وطول 1.3 متر، مثبتة بالإيبوكسي، لربط الخرسانة القديمة بالجديدة، بهدف ضمان نقل الأحمال ومنع التشققات الناتجة عن الأحمال الديناميكية.

وأضاف الخطيب أنه تم تمديد المدة الزمنية للمشروع لمدة شهرين حتى 31 أيار 2026، نتيجة توقف الرافعة لمدة 50 يوماً لأغراض الصيانة، إلى جانب الظروف الجوية القاهرة والتعديلات الفنية.

كذلك تم إدراج محولة كهربائية باستطاعة 50 ك.ف.أ مع كامل ملحقاتها، بسبب سرقة وتخريب المحولة السابقة وغياب التغذية الكهربائية لأعمدة الإنارة على طرفي الجسر.

وفيما يتعلق بالتحقق من جودة الأعمال المنجزة، أكد الخطيب أن ذلك يتم وفق آلية صارمة، تشمل فحص المواد الواردة، كالحديد والإيبوكسي والخرسانة المحولة، في مختبرات معتمدة، وإجراء اختبارات للخرسانة من حيث الهبوط ومقاومة الضغط لكل خلطة يتم صبها، إضافة إلى تنفيذ تجارب تحميل على الأجزاء المنفذة حديثاً تحت إشراف مكتب استشاري مستقل، إلى جانب المتابعة اليومية من قبل فريق الإشراف الهندسي المقيم في الموقع.

ولفت إلى أن أخطر مراحل المشروع تمثلت في عمليات فك وتكسير الجوائز القديمة بالتزامن مع رفع الجوائز الجديدة باستخدام رافعة انسحابية (موديل 1982)، حيث يُعرِّض تعليق الجائز القديم على الرافعة أثناء التكسير، والذي يزيد وزنه عن 10 أطنان، العمال والهيكل المجاور لخطر السقوط، خاصة مع تعرض الرافعة القديمة لأعطال مفاجئة، ما قد يسبب أضراراً جسيمة أثناء عمليات الرفع.

كما ساهم تداخل الأعمال ومحدودية قدرة الرافعة على تنفيذ أكثر من مهمة في إبقاء بعض الجوائز المخلوعة جزئياً في وضع غير مستقر لفترات طويلة، إضافة إلى إعاقة قواعد الرافعة الخرسانية الثقيلة لحركة العمال والمعدات ضمن مساحات ضيقة.

خبرات محلية تقود المشروع

وبالنسبة للكوادر الفنية المشاركة في عملية إعادة التأهيل، أوضح مدير برنامج تعزيز المرونة المجتمعية في الدفاع المدني السوري، علي محمد، لـ”الثورة السورية”، أنه تم الاعتماد بشكل شبه كامل على خبرات محلية سورية، من خلال فريق هندسي تابع للدفاع المدني السوري، يمتلك خبرة في مشروعات البنى التحتية والطرقات والجسور، لمتابعة الجوانب التقنية والهندسية والإدارية أثناء تنفيذ المشروع، إلى جانب فريق فني متخصص من مهندسين وفنيين من الشركة المنفذة لديهم خبرة سابقة في التعامل مع الجسور، إضافة إلى التعاقد مع مكتب استشاري يضم أكاديميين مختصين في هذا المجال داخل سوريا.

وأشار محمد إلى أنه تم الاستعانة بمهندسين خارجيين لمدة ثلاثة أشهر فقط لتنفيذ أعمال شد الكابلات، نظراً لأن الجوائز مسبقة الإجهاد، وذلك لضمان تحقيق الجودة المطلوبة.

وفي إطار الاستعداد لمرحلة ما بعد التشغيل، أكد محمد أنه تم إعداد خطة استجابة للطوارئ تتضمن سيناريوهات متعددة، منها التعامل مع حالات الانهيار الجزئي أو التشققات الكبيرة في بلاطات الوصل أو الجوائز الجديدة، عبر إغلاق الجسر فوراً وإخطار المهندس المشرف لإجراء فحص تفصيلي باستخدام كاميرات وكواشف صدى، وتركيب دعامات معدنية مؤقتة إلى حين اعتماد الحل الهندسي المناسب.

كما تشمل الخطة مراقبة التشققات المحتملة في الخرسانة القديمة نتيجة الأحمال الديناميكية، من خلال رصدها عبر نقاط مراقبة (Monitoring Points) مثبتة على الجسر، وقياس الفجوات أسبوعياً خلال الأشهر الثلاثة الأولى من التشغيل، مع معالجتها بالحقن بالإيبوكسي عند الحاجة.

وفي حال وقوع حوادث مرورية أو حرائق على الجسر، تم تجهيز فرق إطفاء وإنقاذ مدربة ضمن المنطقة الشمالية لمدينة الرستن، إلى جانب وضع خطة إخلاء واضحة مدعومة بلوحات إرشادية عند مداخل الجسر.

اختبار التحميل يحسم موعد الافتتاح

لا يمكن تحديد موعد افتتاح الجسر بشكل دقيق قبل تنفيذ تجربة تحميل للفتحات التي خضعت للترميم، والتي ستستمر لمدة 24 أو 48 ساعة، وذلك وفقاً لما أفاد به المدير العام للمؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، المهندس عماد نجار، لـ”الثورة السورية”، على أن تحقق حمولة القافلة المطبقة على الفتحات المختبرة اشتراطات كود الدراسة.

وأشار نجار إلى أنه في حال التأكد من مقدار السهم المتحقق عند التحميل واختفائه بعد إزالة الحمولة، يمكن فتح الجسر بكامل طاقته التشغيلية، إلا أن تقدير حجم حركة المرور والقدرة الاستيعابية اليومية للجسر بعد الافتتاح يعود إلى مديرية النقل وشرطة المرور العامة.

وفي السياق، ذكر نجار أن الأعمال المنفذة شملت، إلى جانب الإصلاح، تركيب أعمدة كهربائية جديدة على كامل مسار الجسر، وتزويد كل عمود بوحدات إنارة كهربائية وأخرى تعمل بالطاقة الشمسية، إضافة إلى تركيب عواكس فوسفورية و”عيون القطط”، وتنفيذ تخطيط للطريق فوق الجسر وقبله وبعده لمسافة 500 متر، فضلاً عن تثبيت اللوحات التحذيرية اللازمة للسلامة العامة.

وفيما يخص مراقبة الأداء بعد التشغيل، أوضح نجار أن الجسر سيخضع لنظام مراقبة وفق المنهجية المعتمدة لدى المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، والتي تقوم على برنامج دوري لمراقبة جميع الجسور، مع تكثيف المراقبة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من التشغيل بشكل أسبوعي لرصد أي تطورات محتملة خلال مرحلة الاستثمار الفعلي.

ولفت إلى أنه لم يتم إعداد خطة طوارئ حتى الآن في حال حدوث خلل جزئي أو ضغط زائد على الجسر، إلا أنه يمكن وضع خطة عاجلة خلال الفترة التي تسبق وضع الجسر في الخدمة.

وعلى الصعيد الفني، أوضح نجار أن أعمال إعادة التأهيل تمت وفق التصميم القديم للجسر، مع إدخال تعديلات بسيطة على المقطع، مع الحفاظ على الجوائز السليمة في الفتحات التي تعرضت للقصف، مضيفاً أن المشروع استند إلى الكود العربي السوري الهندسي ودفتر الشروط، إضافة إلى المواصفات الفنية المعتمدة في المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية.

وحول المواد المستخدمة، بيّن نجار أنها تختلف بالنسبة للجوائز مسبقة الإجهاد، لافتاً إلى أن المواد كانت من أجود الأنواع، ومن تصنيع شركة “فري سينيه” الفرنسية، وهي من الشركات الرائدة عالمياً، مؤكداً أن عملية الربط بين الجوائز القديمة والجديدة نُفذت وفق مخططات وكودات هندسية معتمدة، وتحت إشراف مكتب استشاري هو “مكتب الشرق الأوسط”، الذي عمل في المشروع منذ بدايته.

وذكر أن الاختبارات التي أُجريت على المواد والعناصر الإنشائية شملت جميع المواد الداخلة في أعمال إعادة التأهيل، وفق ما ينص عليه الكود المعتمد، مؤكداً أن الجسر أُعيد تأهيله وفق أفضل المعايير الفنية، مع خطة صارمة للصيانة الدورية ستُطبق على هذا الجسر وباقي الجسور.

وبحسب نجار، فإن عودة الجسر إلى الخدمة تعني تحقيق وفر كبير في الوقت والمسافة المقطوعة، الأمر الذي سينعكس مباشرة على تخفيض استهلاك الوقود لعشرات آلاف السيارات التي تتحرك بين الشمال والجنوب، وبالتالي خفض تكاليف النقل لمختلف المواد والمعدات.

وفي رسالة موجهة لمستخدمي الطرق، شدد نجار على التزام المؤسسة بتطوير بنية تحتية أكثر أماناً، تعتمد معايير هندسية حديثة تحد من الحوادث، وكذلك أكثر استدامة وكفاءة، ومصممة بمواد وتقنيات صيانة تقلل الحاجة إلى الإصلاحات المتكررة، بما يحقق الراحة والأمان للمواطنين.

وفي المقابل، دعا جميع السائقين إلى الالتزام بالسرعات المحددة، واعتماد أسلوب القيادة الوقائية، أي توقع المخاطر والاستعداد لها، وليس مجرد رد الفعل عليها، واحترام إشارات المرور وأولوية العبور للحفاظ على انسيابية الحركة، وتجنب كل ما يشتت الانتباه أثناء القيادة، مؤكداً أن تحقيق طرق آمنة ومتينة هو مسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية ومستخدمي الطريق.

ومن المتوقع أن يُحدث إعادة افتتاح جسر الرستن تحولاً ملموساً في تدفق الحركة المرورية بين الشمال والجنوب، إذ يُرجَّح أن ينخفض زمن الرحلة بنحو نصف ساعة، نتيجة التخلص من الاختناقات المرورية الحادة على الطريق البديل، الذي يعاني من تدهور في البنية التحتية وكثرة الحفر والمطبات، فضلاً عن محدودية عرضه وعدم تصميمه لاستيعاب هذا الحجم من الحركة.

ولا يقتصر الأثر على عامل الزمن فحسب، إنما يمتد ليشمل كفاءة النقل بشكل عام، حيث سيؤدي تقليص المسافة والزمن إلى خفض استهلاك الوقود وتقليل معدلات الاهتلاك في المركبات، ما ينعكس مباشرة على تكاليف نقل البضائع، ومن شأن ذلك أن يسهم في تحسين سلاسل الإمداد، ودعم استقرار أسعار السلع، إضافة إلى إعادة تنشيط الحركة التجارية والزراعية في المنطقة، ولا سيما في ظل اعتمادها الكبير على النقل البري.

وعلى المستوى الاجتماعي، تكشف فترة إغلاق الجسر عن تكلفة غير مباشرة تكبدها السكان، إذ اضطر المسافرون إلى استخدام طريق بديل يمر بمحاذاة الأحياء السكنية في أطراف مدينة الرستن، ما أدى إلى زيادة الضغط المروري داخل المناطق المأهولة، ورفع مستويات الضجيج، فضلاً عن المخاطر اليومية التي تهدد سلامة الأهالي، خاصة الأطفال، ومن المتوقع أن تسهم إعادة تشغيل الجسر في تخفيف هذه الضغوط، وإعادة تنظيم حركة المرور بعيداً عن الكتل السكنية.

ختاماً، لا تمثل إعادة تأهيل جسر الرستن مجرد عملية ترميم لبنية تحتية مدمرة فحسب، إنما يمكن النظر إلى هذا المشروع كحالة هندسية تعكس القدرة على التعامل مع المنشآت المتضررة في ظروف معقدة، وتمثل خطوة أساسية نحو إعادة تنشيط الحركة الاقتصادية وربط المناطق السورية ببعضها البعض، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى بنى تحتية قادرة على دعم التعافي والاستقرار.

 

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النابلسي رئيساً لاتحاد حرفيي طرطوس ورمضان نائباً له

    أصدر رئيس الاتحاد العام للحرفيين السيد اياد نجار اول امس 3 قرارات الاول تضمن تعيين السيد علي احمد النابلسي رئيساً لاتحاد حرفيي طرطوس ...