محمد راكان مصطفى
تفتح التوقعات حول تحسن سعر صرف الليرة مع تحرير الجزيرة باباً واسعاً للنقاش حول جدوى هذا التحسن إذا كان “عابراً” وغير مستند إلى قواعد إنتاجية صلبة.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي يرى أن التحسن المفاجئ في سعر صرف الليرة، إذا لم يكن مدعوماً بإصلاحات هيكلية وزيادة حقيقية في الإنتاج والتصدير، فقد يؤدي إلى ما يُعرف بـ”الوهم النقدي”.
إذ يشعر المواطن بقوة شرائية أكبر، بينما تتضرر القطاعات التصديرية التي تعتمد على سعر صرف منخفض لتعزيز تنافسيتها. لكن السؤال الجوهري هنا: هل مازالت هناك قدرة تصديرية فعالة يمكن أن تتضرر؟
انكماش السيولة… الخطر الحقيقي؟
يرجح أستاذ الاقتصاد أن يكون القلق الأكبر لدى المصرف المركزي هو انكماش السيولة في السوق المحلية، ولا سيما في ظل تراجع الإنفاق الحكومي بسبب ضعف الإيرادات العامة، وتقلص الكتلة النقدية المتداولة نتيجة التضخم المفرط وفقدان الثقة بالعملة، إضافة للاعتماد على ضخ السيولة عبر سعر صرف مرتفع لتمويل الرواتب والدعم، ما يجعل أي تحسن في الليرة يضغط على قدرة الدولة على الإنفاق.
وأضاف قوشجي: بمعنى آخر، تحسن الليرة قد يُفسر كإشارة لانكماش نقدي، ما يفاقم الركود ويزيد من معاناة السوق الداخلية.
وعن قدرة المصرف المركزي منع تحسن الليرة، قال: في حال تدفقت موارد من مناطق الجزيرة (نفط، قمح، تحويلات)، فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة في عرض الدولار، ما قد يدفع نحو تحسن طبيعي في سعر الصرف، لكن هل يستطيع المصرف المركزي أن “يمنع” هذا التحسن؟ نعم: عبر شراء الفائض من الدولار وضخه في السوق، أو عبر رفع الطلب على الدولار من خلال أدوات مالية أو تشريعية.
ولكن عملياًَ الأمر معقد: فالمصرف يفتقر إلى احتياطيات كافية، ويعاني من ضعف الثقة، ولا يملك أدوات سوق مفتوحة فعالة. وأي تدخل لمنع التحسن قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل زيادة المضاربة أو تهريب الدولار، ما لم يكن مدعوماً بسياسات مالية متماسكة.
بين استقرار السعر والقوة الشرائية
يرى قوشجي أن المعضلة الكبرى استقرار سعر الصرف، الذي لا يعني بالضرورة استقرار الأسعار، وخاصة في اقتصاد يعاني من تشوهات عميقة.
فحتى لو نجح المصرف المركزي في تثبيت السعر، فإن الأسعار المحلية ستبقى مرتفعة بسبب الاحتكار، وضعف الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة. ناهيك عن أن القوة الشرائية للمواطن ستبقى منهكة ما لم تُعالج الأسباب البنيوية للفقر والتضخم.
وأضاف: أي سياسة نقدية لا تراعي البعد الاجتماعي ستفقد مشروعيتها، وتتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حلّ لها.
ويرى قوشجي أن المطلوب ليس منع التحسن، بل ترشيده.
وقال: بدلاً من الخوف من تحسن الليرة، ينبغي على المصرف المركزي أن يعمل على ترشيد هذا التحسن، أي جعله ناتجاً عن زيادة الإنتاج والتصدير، لا عن تدفقات مؤقتة أو مضاربات. كما يجب أن تُربط السياسة النقدية بسياسات مالية واجتماعية تضمن:
* تحفيز الإنتاج المحلي بدل الاعتماد على الواردات.
* حماية القوة الشرائية للمواطن عبر دعم موجه وشفاف.
* إعادة بناء الثقة بالمؤسسات النقدية من خلال الشفافية والاستقلالية.
وختم بالقول: وفي النهاية، التحسن الحقيقي ليس في الأرقام، بل في حياة الناس.
(أخبار سوريا الوطن1-الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
