آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » حضور عربي لافت وغياب القضايا السياسية | مهرجان برلين: العائلة أولاً!

حضور عربي لافت وغياب القضايا السياسية | مهرجان برلين: العائلة أولاً!

 

شفيق طبارة

 

خلال العام الماضي، غطى الثلج طرقات برلين، ومنح مهرجانها طبقة إضافية من السحر. هذا العام، يعود الثلج نفسه، كأنه صار جزءاً من هوية المهرجان، من مزاجه، من تلك الحالة البرلينية الشتوية. وهكذا يدخل «مهرجان برلين السينمائي» دورته الـ76 (12 – 22 شباط فبراير 2026)، محاطاً بروحه الخاصة التي لا تُشبه أي مهرجان آخر.

 

في عامها الثاني على رأس الإدارة الفنية، تقدّم تريشيا تاتل برنامجاً يبدو مصمّماً ليُرضي الجميع: مخرجون عالميون، وأفلام سياسية، ودراسات شخصية، وكوميديا رسمية وساخرة، أنمي، ويسترن، وإثارة نفسية… خليط واسع يعد بالتنوّع، لكنه يكشف أيضاً عن ارتباك في تحديد هوية «مهرجان برلين» نفسه. وفي هذا السياق، يبرز اسم فيم فندرز كرئيس للجنة التحكيم هذا العام، وهو حضور ثقيل يعيد للمهرجان شيئاً من هيبته.

 

احتفاء بالكبار ودعم الشباب

وأعلنت تاتل أنها تعمل على إعادة مهرجان برلين إلى «مكانته الطبيعية» في مواجهة «كان» و «البندقية»، لكنها في الوقت نفسه تُصرّ على أن المهرجان يجب أن يكون منصّة للصاعدين وأبناء المهرجان. تحتفي بالأسماء الكبيرة، ثم تُذكّر بأن دور المهرجان الحقيقي هو دعم الأصوات الجديدة.

 

البرنامج الذي كُشف عنه لعام يؤكد هذا التوتر: قائمة من 22 فيلماً تُسعد عشّاق السينما الفنية، لكنها تفتقر إلى أي حضور هوليوودي قادر على جذب الجمهور الواسع، وأي مخرج أوروبي كبير مثل الذين يعرضون أفلامهم في المهرجانات الثانية. تصف تاتل الأمر بأنه «معركة للحفاظ على دور السينما المستقلة وضمان قدرة الموزعين على الاستمرار في المخاطرة»، لكنها في الوقت نفسه تُطلق جملة قاطعة: «إذا لم تجدوا ما يعجبكم هنا، فأنتم لا تحبون السينما حقًا».

 

العائلة في صلب البرمجة

يبدو أن جزءاً كبيراً من أفلام هذه الدورة يدور، بشكل أو بآخر، حول العائلة، وعلاقاتها الهشّة، وصدماتها، وانهياراتها الصغيرة التي تتحوّل إلى دراما كاملة على الشاشة. وفي الوقت نفسه، يظل الحضور السياسي قائماً كما اعتدنا من برلين، لكن هذه المرة يأتي بطريقة أكثر مداورة، أقل مباشرة، وكأنه يتسلّل إلى الحكايات عبر تأثيره على الأفراد والعائلات والمواطنين بدل أن يُطرح كخطاب صريح.

 

«يوماً ما ولد» للبنانية ماري روز أسطا

«يوماً ما ولد» للبنانية ماري روز أسطا

وإلى جانب ذلك، يبرز خطّ موضوعي آخر لا يمكن تجاهله: الفقد، والحزن، والموت. هذا التلاقي بين العائلة والسياسة والفقد يمنح البرنامج نبرة عاطفية واضحة، لننتظر ونرى ما ستحمله الشاشة لنا.

 

يبرز فيلم «تشذيب شجيرة الورد» («Rosebush pruning»)، للمخرج البرازيلي من أصل جزائري كريم عينوز، كأحد أكثر أعمال المسابقة إثارة للترقّب. يقدّم كرم عينوز كوميديا سوداء معاصرة تتناول العلاقات المتصدّعة بين أشقاء يجدون أنفسهم مضطرين إلى مواجهة حقيقة وفاة والدتهم. ومن بين العناوين المنتظرة أيضاً فيلم «جوزفين» للمخرجة بيث دي أراوجو، في أول ظهور لها داخل المسابقة الرسمية، حيث يجسّد تشانينغ تاتوم وجيما تشان دور والدين يبحثان عن العدالة بعد أن تشهد ابنتهما الصغيرة جريمة تهزّ إحساس العائلة بالأمان.

 

أوروبا حاضرة

السينما الأوروبية ستكون حاضرة بقوة هذا العام، جولييت بينوش، الرئيسة السابقة للجنة التحكيم، تعود إلى برلين لتشارك توم كورتيناي بطولة فيلم «ملكة في البحر» («Queen at Sea») للمخرج لانس هامر، وهو عمل يتناول الخرف والاستقلالية والإخلاص الزوجي. كما تقود النجمة الألمانية ساندرا هولر فيلم «روز» (Rose) للمخرج ماركوس شلاينزر، وهو دراما تاريخية تدور في قرية بروتستانتية غامضة في أوائل القرن السابع عشر.

 

تتسلّل السياسة إلى القصص

من خلال تأثيرها على الأفراد والعائلات

 

وتضم المسابقة أيضاً مجموعة من «أبناء المهرجان»، المخرج المكسيكي فرناندو إيمبكه بفيلمه بالأبيض والأسود «ذباب» (Flies)، والمخرجة الألمانية أنجيلا شانيليك بفيلمها الجديد «زوجتي تبكي» (My Wife Cries)، إضافة إلى المخرج التركي الألماني إيلكر تشاتاك الذي يعود إلى بوتسدامر بلاتز بفيلمه «رسائل صفراء» (Yellow Letters)، مستكشفاً آثار تصاعد القمع السياسي على زوجين من أنقرة.

 

كما يعود المخرج السنغالي آلان غوميس، الحائز «الدب الفضي» عام 2017، بفيلمه «داو» (Dao) الذي يتنقّل بين فرنسا وغينيا بيساو، متناولاً موضوعات العائلة والإرث. ومن بين الأعمال المرتقبة أيضاً فيلم «كلنا غرباء» (We Are All Strangers) للمخرج السنغافوري أنتوني تشين، وهو الفصل الختامي في ثلاثيته «النشأة».

 

ولم تخلُ قائمة تاتل من المفاجآت، أبرزها فيلم «الجميع يُعجبون ببيل إيفانز» (Everybody Digs Bil Evans) وهو عمل ذو روح جازية للمخرج غرانت جي، يغوص في الحياة الداخلية لعازف البيانو الأسطوري خلال فترة حزنه على فقدان رفيقه الموسيقي في حادث مأساوي.

 

المشاركة العربية

تكتسب المشاركة العربية هذا العام وزناً استثنائياً داخل وخارج المسابقة الرسمية، ليس فقط من حيث عدد الأفلام، بل من حيث تنوّع الأصوات. إلى جانب فيلم «سومسوم، ليلة النجوم» للمخرج التشادي محمد صالح هارون، في عمل ذي طابع صوفي لقصة كيلو التي مُنحت قوى خارقة للطبيعة لا تستطيع فهمها، تشارك في المسابقة الرسمية أيضاً المخرجة التونسية ليلى بوزيد في فيلها «همساً» من بطولة هيام عباس. إنّها ليليا التي تعود إلى تونس لحضور جنازة عمها، فتلتقي بعائلة لا تعلم شيئاً عن حياتها في باريس، خصوصاً عن المرأة التي تحبها. وبينما يجتمع أفراد عائلتها ويعود الأصدقاء القدامى لاستعادة الذكريات، تُصِرّ ليليا على كشف أسرار عائلتها، فتتذكر سبب مغادرتها تونس في المقام الأول، وتشرع في كشف لغز وفاة عمها المفاجئة.

 

«يوماً ما ولد» للبنانية ماري روز أسطا

«يوماً ما ولد» للبنانية ماري روز أسطا

تظهر هيام عباس أيضاً في فيلم دانيال عربيد «لا يفوز إلا المتمردون»، وهو عمل تدور أحداثه في بيروت، حيث تلتقي سوزان، الأرملة الفلسطينية اللبنانية من الطبقة المتوسطة، بالشاب السوداني عثمان. بعد أن تنقذه من اعتداء عنصري، تنشأ بينهما علاقة غير متوقعة تتحدى الفوارق العمرية والاجتماعية. ومع اعترافهما بحبهما، يتحوّل المجتمع المحيط إلى خصم مباشر. ومن لبنان أيضاً، تشارك المخرجة ماري روز أسطا في المسابقة القصيرة بفيلمها «يوماً ما ولد»، الذي تدور أحداثه داخل منزل إسمنتي غير مكتمل. يروي الفيلم علاقة صبي في الحادية عشرة من عمره مع عمّه الستيني، في مساحة يختبر فيها الطفل قدرات خارقة يحاول ولي أمره قمعها باسم «الطبيعي» والمعايير الاجتماعية.

 

في قسم «وجهات نظر» يشارك المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب بفيلمه الروائي الأول «وقائع زمن الحصار» الذي يحكي قصة مجموعة من الناس تنقلب حياتهم رأساً على عقب بسبب الحصار، مما يُجبر كل فرد منهم على مواجهة خيارات مستحيلة في سبيل البقاء على قيد الحياة في منطقة حرب.

 

في مسابقة «بانوراما» يشارك الفيلم الوثائقي السوري «الجانب الآخر من الشمس» للمخرج توفيق صابوني. قبل سنوات، أُطلق سراح المخرج من سجن صيدنايا. في أعقاب سقوط نظام الأسد، عاد المخرج إلى مكان اعتقاله. لم يكن هدفه إعادة فتح الجراح، بل استعادة ما حاول العنف الممنهج طمسه: الأصوات، والقصص، والإنسانية. دعا صابوني أربعة من زملائه الناجين من صيدنايا للانضمام إليه.

 

عادوا معاً إلى الأماكن التي تعرضوا فيها للتعذيب والتجريد من الإنسانية لسنوات، وانخرطوا في إعادة تمثيل دقيقة لحياتهم في السجن. في المسابقة نفسها، يشارك المخرج المصري محمد حمّاد بفيلمه «خروج آمن»، وهو فيلم إثارة نفسية يروي قصة سمعان، حارس أمن شاب ينتمي إلى جيل قُتل آباؤهم في أعمال عنف دينية خلال العقد الماضي. كانوا أطفالاً آنذاك، أما الآن، فهم شباب في أوائل العشرينات من عمرهم، ولا يزالون يعانون من صدمة متوارثة.

 

كما سيعرض فيلم المخرج المغربي أحمد البوعناني (1938 – 2011)، «السراب» (1979) في «برليناله كلاسيك». تدور أحداث الفيلم في المغرب خلال الحقبة الاستعمارية، حيث يعثر قروي فقير على رزمة من الأوراق النقدية في كيس دقيق. يقنع زوجته بالتخلي عن عملها كخادمة في منزل فرنسي والانتقال معه إلى المدينة. يرغب في صرف العملة، لكنه يخشى الذهاب إلى البنك. يتجول باحثاً عن صرّاف، ويلتقي بعدد من الأشخاص الآخرين الذين يبحثون أيضاً عن حياة أفضل.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فضيحة إبستين تطيح جاك لانغ: من يخلفه في رئاسة معهد العالم العربي؟

  رندة تقي الدين   أنهى الوزير الفرنسي السابق ورئيس معهد العالم العربي في باريس جاك لانغ مهماته بعد 13 سنة من رئاسة المعهد الباريسي ...