لينا شلهوب/ إسماعيل قريان
خلال سنوات قليلة تحوّلت السجائر الإلكترونية من ظاهرة هامشية أو موضة عابرة بين فئة محدودة من الشباب، إلى منتج واسع الانتشار يدخل المدارس والجامعات والمقاهي على حدّ سواء، ويُسوَّق غالباً على أنّه بديل أقلّ ضرراً من التدخين التقليدي، إلّا أنّ تزايد استخدامها ترافق مع مخاوف طبيّة متصاعدة من محتوى السوائل المستعملة وإمكانية استغلال الأجهزة لتعاطي مواد غير معروفة المصدر.
وتحذّر الجهات الصحيّة من أنّ بعض أجهزة التبخير قد تُستخدم أحياناً لتعاطي مواد كيميائية تخليقية غير مشروعة، أبرزها ما يُعرف عالمياً بالقنب الصناعي Spice أو K2، وهي مركّبات تُصنّع في مختبرات غير مرخّصة وترتبط بمستقبلات القنّب في الدماغ بقوّة أعلى بكثير من مادة THC الطبيعية، ما يجعل تأثيرها غير متوقّع وقد يكون شديد السمية.
ومع اتساع انتشار هذه الأجهزة، اتجهت الجهات الصحيّة إلى التحرّك على المستوى التنظيمي، إذ قرّرت الجهات الرسمية في دمشق اتخاذ إجراءات للحدّ من تداول السجائر الإلكترونية، بالتوازي مع تحذيرات أطباء واختصاصيين من مخاطر النيكوتين والإضافات الكيميائية الموجودة في سوائل “الفيب”، ولا سيّما مع القلق من إمكانية استغلالها لتعاطي مواد تخليقية يصعب اكتشافها، ما يضيف بُعداً يتجاوز التدخين إلى الأمن الصحي والاجتماعي.
إجراءات رسمية في دمشق
وفي إطار سياسات الصحة العامة والوقاية، أصدرت مديرية الشؤون الصحية في محافظة دمشق تعميماً يقضي بمنع تصنيع وبيع وتداول السجائر الإلكترونية بكافة أنواعها داخل المحال والمنشآت التجارية، وذلك استناداً إلى توجيهات صادرة عن وزارة الصحّة للحدّ من انتشار هذه المنتجات، ولا سيّما بين فئة المراهقين والطلاب.
وبحسب المديرية، شملت الإجراءات تنظيم ضبوط بحقّ المخالفين ومصادرة الكميات المضبوطة وإتلافها، إضافة إلى فرض غرامات مالية وإغلاق المنشآت التي يثبت ترويجها لهذه المنتجات لمدّة ثلاثة أيام، على أن تتضاعف مدّة الإغلاق في حال تكرار المخالفة، مؤكّدة أنّ القرار يندرج ضمن سياسات الصحة العامة الرامية إلى تقليل التعرّض المبكّر للنيكوتين والمواد الكيميائية المرتبطة باستخدام أجهزة “الفيب”.
وفي هذا السياق، أوضح مدير الشؤون الصحية في محافظة دمشق رضوان السواق أنّ المديرية بدأت متابعة محال بيع السجائر الإلكترونية ومنشآت تصنيعها وتداولها فور صدور التعميم الوزاري، مشيراً إلى أنّ وزارة الصحّة هي الجهة المخوّلة بتقييم المخاطر الصحية المرتبطة بهذه المنتجات واتخاذ الإجراءات المناسبة حيالها.
وأضاف أنّ الجهات الصحيّة رصدت ملاحظات طبيّة تتعلّق بتهيّجات تنفسيّة مستمرة لدى بعض المستخدمين، إضافة إلى تسجيل حالات مرتبطة بإصابات الرئة الناتجة عن استنشاق رذاذ أجهزة “الفيب”، والذي يحتوي على النيكوتين ومواد كيميائية أخرى، مشيراً إلى أنّ الفئات العمرية الأصغر، ولا سيّما طلاب المدارس الثانوية، تعدّ الأكثر عرضة لتجربة هذه الأجهزة نتيجة سهولة الحصول عليها وترويجها على أنّها أقل ضرراً من التدخين التقليدي.
المخاطر الصحيّة والاجتماعية للفيب
يؤكّد الأطباء أنّ أعراض التعاطي قد تشمل تسارعاً شديداً في ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الوعي، ونوبات هلع أو اختلاجات، وقد تصل في بعض الحالات إلى انهيار في الدورة الدموية أو توقّف القلب، خاصة عند استنشاق تركيزات مرتفعة عبر أجهزة التبخير الإلكترونية التي تسمح بوصول كميات أكبر من المادة إلى الرئتين خلال فترة زمنية قصيرة.
ويوضّح الأطباء أنّ فهم آلية عمل الجهاز نفسه ضروري لفهم المخاطر، وهنا تشرح أخصائية الأمراض الصدرية والباطنية الطبيبة سوسن العبد الله أنّ السجائر الإلكترونية هي أجهزة تعمل بالبطارية تقوم بتسخين سائل خاص لتوليد رذاذ يستنشقه المستخدم، ويحتوي عادة على النيكوتين ومنكّهات ومركّبات كيميائية مذابة في الغليسرين والبروبيلين غليكول.
وتوضّح أنّ استنشاق هذا الرذاذ قد يؤدي إلى تهيّج والتهاب في بطانة الطرق الهوائية، ما يسبّب أعراضاً مثل السعال والصفير وضيق النفس، وقد يزيد من شدّة الربو لدى المصابين به مسبقاً، كما يمكن للجزيئات الدقيقة المتولّدة عن التسخين أن تصل إلى أعماق الرئتين وتفاقم الاستجابة الالتهابية، الأمر الذي يرتبط بظهور بعض حالات إصابات الرئة المرتبطة باستخدام السجائر الإلكترونية ومضاعفاتها التنفسية.
وتضيف العبد الله أنّ تأثير السجائر الإلكترونية لا يقتصر على الجهاز التنفسي فقط، إذ يؤثّر النيكوتين في الجهاز القلبي الوعائي من خلال تسريع نبض القلب ورفع ضغط الدم وتضييق الأوعية الدموية، ما قد يزيد عوامل الخطورة لدى الأشخاص المهيئين للإصابة بأمراض القلب، كما تشير إلى أنّ التعرّض المزمن للنيكوتين ينعكس على الدماغ، خصوصاً لدى المراهقين، حيث يؤثّر في مراكز الانتباه والتحكّم في الانفعالات ويعزّز قابلية الإدمان في سنّ مبكّرة.
وتحذّر من أنّ بدء استخدام هذه الأجهزة لدى غير المدخنين قد يقود إلى الاعتماد على النيكوتين، في حين توصي المدخنين الراغبين في الإقلاع باللجوء إلى بدائل علاجية معتمدة طبياً وتحت إشراف مختصين، مع ضرورة مراقبة أيّ أعراض تنفسية أو قلبية قد تظهر أثناء الاستخدام.
ولا تقتصر آثار انتشار هذه الأجهزة على الجانب الصحي فقط، فعلى المستوى الاجتماعي، تثير سهولة إخفاء أجهزة الفيب الصغيرة قلقاً متزايداً لدى الأهالي والمؤسسات التربوية، إذ يمكن استخدامها دون انبعاث روائح واضحة كما في التدخين التقليدي، ما يصعّب اكتشافها داخل المدارس أو المنازل، ويحذّر متخصصون اجتماعيون من أنّ بعض المراهقين قد يلجؤون إليها بدافع التجربة أو تقليد الأقران دون إدراك لاحتمال احتوائها على مواد مجهولة المصدر.
كما ينصح تربويون بمتابعة أيّ تغيّرات مفاجئة في سلوك الأبناء، مثل اضطرابات النوم، والقلق، والانعزال، وتراجع التحصيل الدراسي أو تسارع ضربات القلب، إضافة إلى تعزيز الحوار المباشر معهم حول مخاطر التدخين والمواد المخدّرة، وعدم الاكتفاء بالمراقبة أو العقاب، بل التركيز على التوعية والوقاية المبكرة.
ولا تبدو هذه الظاهرة محلية فحسب، فهي تأتي ضمن اتجاه عالمي متسارع، وفي هذا السياق، تشير تقديرات حديثة إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد مستخدمي السجائر الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع العدد من نحو 58 مليون مستخدم عام 2018 إلى ما يقارب 116 مليوناً في عام 2025، ما يعكس اتساع انتشار هذه المنتجات بين فئات عمرية مختلفة، ولا سيّما الشباب.
كما تناولت دراسات طبية حديثة العلاقة المحتملة بين استخدام السجائر الإلكترونية وبعض الاضطرابات الاستقلابية، حيث أظهرت بيانات بحثية أنّ مستخدمي هذه الأجهزة كانوا أكثر عرضة للإصابة بحالة مقدمات السكري مقارنة بغير المستخدمين، بينما ارتفعت النسبة أكثر لدى من يجمعون بين السجائر التقليدية والإلكترونية، ويشير الأطباء إلى أنّ هذه النتائج ما تزال قيد الدراسة، إلا أنّها تعزّز الدعوات إلى الحذر من الاستخدام طويل الأمد حتى لدى غير المدخنين سابقاً.
وبناءً على ما سبق من معطيات طبّية واجتماعية وتنظيمية، فإنّ التعامل مع الظاهرة يتطلّب مزيجاً من الإجراءات التنظيمية والتوعية المجتمعية، بحيث لا يقتصر الأمر على المنع والمصادرة، ليشمل نشر المعلومات الطبيّة وتعزيز برامج الوقاية في المدارس ومراكز الرعاية.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
