نورالدين لشهب
في واحدة من أكثر مراحل التاريخ قسوة على بلاد الشام، إبّان سنوات “سفر برلك” بين عامي 1914 و1918، حيث انتشرت المجاعة وانهارت سبل العيش، برزت شخصية دينية لعبت دورا إنسانيا تجاوز حدود الطائفة والدين، هو البطريرك غريغوريوس الرابع حداد، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس.
شهدت تلك الحقبة نقصًا حادا في القمح وارتفاعًا كبيرا في معدلات الجوع والوفيات، لا سيما في دمشق ولبنان.
وفي مواجهة هذا الواقع، اتخذ البطريرك حداد قرارات غير مسبوقة، تمثلت في رهن أوقاف البطريركية والأديرة، وبيع الأواني الذهبية والفضية، إضافة إلى التخلي عن مقتنيات كنسية ثمينة، بهدف تأمين الغذاء للمحتاجين دون أي تمييز.
وفتحت الكنيسة المريمية في دمشق أبوابها بشكل يومي لتوزيع الخبز، حيث كان كل من يدخل يحصل على رغيف يسدّ به رمقه، من دون أن يُسأل عن دينه أو انتمائه الاجتماعي.
وتشير شهادات معاصرة إلى أن هذا النهج أثار اعتراض بعض المسؤولين في البطريركية بسبب ازدياد أعداد المسلمين بين المستفيدين، إلا أن البطريرك ردّ حينها قائلا: “هل كُتب على هذا الخبز أنه للمسيحيين فقط؟“، لتستمر عملية التوزيع للجميع.
وفي موقف آخر يعكس فلسفته الإنسانية، رفض البطريرك حدّاد سؤال الفقراء عن عقيدتهم قبل تقديم المساعدة، معتبرا أن الحاجة بحد ذاتها كافية، وأن كرامة الإنسان لا تحتمل مزيدا من الإذلال.
لم يقتصر دور غريغوريوس حداد على العمل الإغاثي، بل كان أيضا من الداعمين للتعليم والثقافة والحوار المجتمعي، ورأى في الدين رسالة أخلاقية تترجم فعلا في خدمة الإنسان، لا أداة فصل أو تمييز.
عند وفاته عام 1928، شهدت دمشق واحدة من أضخم الجنازات في تاريخها الحديث، حيث شارك في التشييع عشرات الآلاف، وكان المسلمون في مقدمة المشيعين، في تعبير واضح عن المكانة التي حظي بها في مختلف الأوساط.
كما أوفد الملك فيصل مئة فارس للمشاركة في الجنازة، وأطلقت الحكومة السورية مئة طلقة مدفع تكريمًا له، ومنذ ذلك الحين، عُرف في الذاكرة الشعبية بلقب “أب الفقراء“.
إن استعادة سيرة البطريرك غريغوريوس حدّاد اليوم باعتباره نموذجا حيا للتعايش الديني والإنساني، ودليلا على أن التضامن في زمن الأزمات، لقادر على تجاوز الانقسامات حين تكون كرامة الإنسان هي البوصلة الأولى والأخيرة، وخاصة في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها الشام والمنطقة بشكل عام.
(أخبار سوريا الوطن1-الشعاع)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
