يحيى دبوق
توصَف الاحتجاجات المتواصلة في إيران، في خلال النقاشات الإسرائيلية حولها والتي لا تخلو من لاموضوعية وإهمال للذاكرة التاريخية، بعبارات دراماتيكية من قبيل: «بداية نهاية النظام» و»حدث لا مثيل له». ولا تقتصر تلك النبرة المتفائلة والمتحمّسة، على برامج التحليل في وسائل الإعلام العبرية، بل تتعداها إلى أعلى المستويات السياسية، حيث اعتبر رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، مثلاً، أنه «من الممكن جدّاً أنّنا نقف أمام اللحظة التي سيقرّر فيها الشعب الإيراني مصيره بيده».
لكنّ المقاربة الإسرائيلية تجاه الحدث الإيراني ليست في اتّجاه واحد؛ بل هي تُراوِح بين أمل كبير في أن يزول التهديد الاستراتيجي الأكبر نتيجة انهيار داخلي في طهران، وقلق متصاعد من أن يعمد النظام الإيراني إلى تصعيد خارجي، خصوصاً ضدّ إسرائيل، لصرف الانتباه عن أزمته الداخلية. وفي انتظار ما ستؤول إليه، لا تقف تل أبيب متفرّجة تنتظر النتائج، بل تعمل، بالتنسيق مع واشنطن، على استثمار الزخم الشعبي في إيران لدفعه نحو أقصى النتائج الممكنة.
ومع ذلك، فإن التقديرات السائدة في الأوساط الاستخبارية والأمنية تبدو أكثر تحفّظاً بكثير ممّا يُطرح في استوديوهات التلفزة العبرية، ويمكن تلخيص أبرز ملامحه بالآتي:
أولاً: تختلف الاحتجاجات الحالية في إيران عن تلك التي خرجت في عام 2022، في أن خلفيتها اقتصادية بشكل رئيسيّ – في ظلّ استياء الجمهور الإيراني من ارتفاع تكاليف المعيشة -، وهو ما يقطع الصلة ابتداءً مع المطالب السياسية الصريحة، وإن كان لا ينفي احتمال تطوّرها لاحقاً. ووفقاً لمصادر استخبارية إسرائيلية، سُجّلت، في الأيام القليلة الماضية، زيادة كبيرة في بؤر التظاهر، مع جرأة أكبر يظهرها المشاركون على رغم «العنف» الذي يواجَهون به، حتى إن الاحتجاجات توسّعت إلى مدن بعيدة عن طهران. لكنّ المقاربة الأمنية الإسرائيلية تلحظ أن الاحتجاجات ما زالت تفتقر إلى التنسيق المركزي، وإلى قيادة موحّدة قادرة على تحويل الغضب العفوي (الاقتصادي المعيشي) إلى حركة سياسية مُنظّمة.
تعمل إسرائيل على استثمار الزخم الشعبي في إيران لدفعه نحو أقصى النتائج الممكنة
ثانياً: على رغم الضغوط، لم يُظهِر النظام أيّ علامات حقيقية على الانقسام الداخلي، لا في صفوف المؤسسة الأمنية بكلّ أذرعها – وهي العامل الحاسم في أيّ «ثورة» ناجحة -، ولا حتى في أروقة السلطة الدينية. أيضاً، لا توجد مؤشرات إلى هروب النخبة أو تآكل ولاء الدوائر الحاكمة، كما حدث في عهد الشاه عشية الثورة عام 1979. ووفقاً لما يؤكده رئيس «مركز الدراسات الإيرانية» في جامعة تل أبيب، البروفيسور مئير ليتفاك، فإن «تقارير وسائل الإعلام عن احتمال هروب المرشد، علي خامنئي، تبدو أقرب إلى التمنّي». فالطبقة الحاكمة في إيران لا تزال قوية ومتماسكة، وتسيطر على مفاصل الدولة، ولديها القدرة على الصمود حتى في أحلك الظروف.
ثالثاً: على رغم أن صنّاع القرار في تل أبيب لا يجزمون بنية إيران شنّ هجوم عسكري على إسرائيل للهروب من أزمتها الداخلية، لكنّ هذا الاحتمال يؤرّق الجمهور الإسرائيلي، خصوصاً بعدما تحوّلت المخاوف المتصلة به إلى القضية الأولى في النقاش العام. ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي العبرية موجة من الشائعات عن احتمال اندلاع حرب قريبة مع إيران، استندت إلى تقدير شائع – وإنْ غير رسمي – مفاده أن النظام الإيراني، تحت الضغط الذي يواجهه، قد يُقدِم على «خطوة جريئة» تتمثّل في شنّ هجوم صاروخي واسع النطاق على إسرائيل. كذلك، تردّد سيناريو مقابل مفاده أن إسرائيل ترى في «إيران الرازحة تحت الضغط»، فرصة استراتيجية لتوجيه ضربة ضدّ منشآتها النووية أو الصاروخية. وتداوُل عامّة الإسرائيليين هذين السيناريوين – على رغم أنهما غير مرجّحين في هذه المرحلة -، يكشف مدى تأثير التطوّرات في إيران على الوعي الجمعي الإسرائيلي، وهو ما لم يكن ملحوظاً في ردود الفعل الإسرائيلية على احتجاجات سابقة، كانت أشدّ ممّا هو قائم اليوم.
رابعاً: مع أن بنيامين نتنياهو وجّه تعليمات واضحة إلى وزرائه وكبار المسؤولين بعدم التعليق علناً على التطوّرات في إيران، فإن «شهية التعليق»، النابعة من الرغبة في رؤية زوال «الخصم الأكبر»، دفعت أكثر من وزير ومسؤول إلى تجاوز هذا الحظر، حتى إن نتنياهو نفسه لم يلتزم تماماً بتوجيهاته، وسارع إلى الإدلاء بتصريحات عبّرت عن تمنياته بسقوط النظام. ولم يقتصر التجاوز على المستوى السياسي، بل تعدّاه إلى الأجهزة الأمنية، خصوصاً جهاز «الموساد»، الجهة المعنية مباشرة بمتابعة الشأن الإيراني استخباريّاً، حيث برزت تسريبات وتعليقات غير رسمية تحمل بصمته، بل وحتى «تغريدات» باللغة الفارسية من حسابات مرتبطة به، تسعى جميعها إلى استغلال الزخم الاحتجاجي في الداخل الإيراني، وتعزيز شعور الجمهور بأن النظام منهار، مع تشجيع المشاركة في الاحتجاجات. لكنّ هذا السلوك، على رغم جموحه، ينطوي على مخاطر، إذ من شأنه أن يقوّض مصداقية المتظاهرين عبر تصويرهم كأدوات بيد جهات أجنبية، إسرائيلية تحديداً.
في المُحصّلة، يكشف النقاش الإسرائيلي حول الاحتجاجات الإيرانية عن فجوة عميقة بين الرغبة والواقع. فبينما يرى الإعلام والخطاب السياسي، أن النظام الإيراني مقبل على «نهاية قريبة»، تتمسّك النخبة الأمنية بقراءة أكثر واقعية، عنوانها أن النظام قد يكون في أزمة حالياً، لكنه لا ينهار، وإن وجب العمل على تعزيز الاحتجاجات ضدّه وتوجيه مسارها، بما قد يساعد في انهياره لاحقاً.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
