جمعان علي العمير
حمص مدينةٌ تتنفس من جراحها كما تتنفس من نوافذها المفتوحة على الشمس، مدينةٌ تتقاطع فيها الأزقة كخيوطٍ من حكاياتٍ قديمة، وتتشابك فيها الأرواح رغم ما حملته من خوفٍ ودمعٍ وغياب. هي ذاكرةٌ مثقلة بالدماء، لكنها أيضًا رحمٌ يتهيأ لولادة الأمل، كأنها تقول إن الليل مهما طال لا بد أن يترك مكانه للفجر.
في بابا عمرو والوعر، في الزهراء والأحياء التي يسكنها احد اطياف مجتمعنا، ارتسمت خطوط الانقسام كندوبٍ على وجه المدينة، لكن خلف تلك الندوب ظل القلب واحدًا، يبحث عن مصالحةٍ تعيد إليه نبضه، وعن كلمةٍ صادقةٍ تفتح أبواب الرجاء. هذا الطيف الاجتماعي او ذاك ليسوا خصمين أبديين، بل أبناء ترابٍ واحد، أبناء ذاكرةٍ واحدة، ذاكرةٍ جُرحت لكنها قادرة على أن تُشفى إذا ما اختاروا الاعتراف بدل الإنكار، والصدق بدل الصمت، والعدالة بدل الانتقام.المصالحة في حمص ليست قرارًا سياسيًا يُكتب على ورق، بل فعلٌ يوميٌّ يتجسد في حجرٍ يُرصّ بيدين مختلفتين ليبني بيتًا واحدًا، في سوقٍ يجمع شابين من طائفتين، في مسرحٍ يروي قصة حبٍّ تتحدى الطائفية، وفي جامعٍ وساحةٍ يلتقي فيهما الدعاء والرجاء. العدالة هنا ليست سيفًا للانتقام، بل ميزانًا يزن الأفراد لا الجماعات، ويمنح الطائفة براءةً من دمٍ لم ترتكبه، لتتحول المحاكمات إلى بابٍ للثقة لا إلى جدارٍ للخوف.
أما السياسة المحلية فهي الضمانة الأخيرة، مجالس متوازنة ودستورٌ مصغّر يؤكد أن المواطنة هي الأساس، وأن المشاركة حقٌّ للجميع، فلا هيمنة ولا إقصاء، بل توازنٌ يفتح الطريق أمام وحدةٍ حقيقية.حمص اليوم تقف على مفترق طرق: إما أن تبقى أسيرة الجرح، أو أن تختار أن تكون مدينة العناق، مدينة الرجاء، مدينة الحب. وإذا اختارت الطريق الثاني، فإنها ستكتب قصيدتها الجديدة بالحبر والدمع والابتسامة، قصيدةً عنوانها: نحن واحد، نحن حمص.
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
