بقلم: علي نفنوف
عندما يتحول الابداع الى حالة استثنائية ويغدو المبدع ذاته علامة فارقة يصبح الزمن الذي يحتفي به زمنا مختلفا بدوره زمن تعاد فيه صياغة القيمة وتمنح فيه التجربة الفنية بعدها الثقافي والانساني الاعمق في هذا السياق ياتي اختيار موقع اخبار سوريا الوطن للموسيقار مهدي إبراهيم شخصية لهذا الاسبوع بوصفه احتفاء يتجاوز العابر نحو قراءة تجربة متكاملة اشتغلت على التراث واعادت تشكيله ضمن افق معاصر وقد كان لي شرف مقاربة جانب من هذه التجربة التي لا تختزل في السيرة بل تنفتح على التحليل والتفكير
تقدم هذه المقالة قراءة في تجربة مهدي إبراهيم بوصفها نموذجا معاصرا يعيد بناء العلاقة بين التراث والابتكار ضمن مشروع موسيقي متكامل يتجاوز حدود التلحين الى التاليف والتعليم وصناعة المبدعين ويبحث في خصوصيته في حفظ التراث من داخل الممارسة الحية وفي قدرته على انتاج اصوات جديدة اسهمت في رفد المشهد الموسيقي السوري والعربي
في سياق الموسيقى العربية المعاصرة حيث تتقاطع اسئلة الهوية مع تحولات الذائقة يبرز اسم مهدي إبراهيم بوصفه تجربة لا يمكن اختزالها في حدود التلحين او الاداء بل بوصفها مشروعا موسيقيا قائما على وعي عميق بالتراث وقدرة على اعادة تشكيله ضمن افق معاصر فالموسيقى لديه ليست استعادة لما كان بل اعادة كتابة لما يمكن ان يكون
تتأسس هذه التجربة على علاقة مبكرة مع الصوت العربي الاصيل حيث تشكلت ملامحها الاولى في بيئة مشبعة بالغناء الكلاسيكي الذي مثله حضور فريد الأطرش وأسمهان وهو ما اسهم في تكوين ذاكرة سمعية عميقة تحولت لاحقا الى وعي موسيقي منظم مع الالتحاق بالدراسة الاكاديمية والانخراط في العمل الموسيقي الجماعي الامر الذي نقل الموهبة من طورها الغريزي الى مستوى الممارسة الواعية
غير ان اهم ما يميز هذه التجربة لا يكمن في هذا التكوين فحسب بل في طريقة اشتغاله على التراث حيث لا يتعامل معه بوصفه مادة ثابتة بل باعتباره بنية قابلة لاعادة التشكيل فالقوالب التقليدية كالقصيدة والموشح لا تظهر في اعماله كاشكال موروثة بل كمساحات مفتوحة للتجريب واعادة البناء بما يحفظ روحها ويحررها في الوقت ذاته من الجمود وهو ما يعكس فهما عميقا للاصول المقامية والايقاعية دون الوقوع في اسر التكرار
وقد تعمق هذا الفهم عبر احتكاكه المباشر بجيل من اعلام الموسيقى العربية في اذاعة دمشق الى جانب تاثره بتجارب عمر بطش ونديم الدرويش وهو ما منحه قدرة على الربط بين المعرفة النظرية والممارسة التطبيقية ضمن سياق عربي اصيل
ومن هنا يمكن النظر اليه لا بوصفه ملحنا ينتج اعمالا غنائية فحسب بل بوصفه موسيقارا بالمعنى الشامل للكلمة اي فاعلا ينتج خطابا موسيقيا متكاملا تتداخل فيه الكتابة مع التعليم ومع بناء الذائقة العامة فالموسيقار هنا لا يكتفي بصياغة اللحن بل يشتغل على انتاج المعنى وعلى تشكيل الحس الجمالي لدى المتلقي
ويتجلى هذا البعد بوضوح في مسيرته التعليمية الممتدة منذ عقود حيث لم يكن التعليم نشاطا موازيا لعمله الفني بل جزءا عضويا من مشروعه فقد اسهم من خلال تدريسه وتوجيهه في نقل المعرفة الموسيقية عبر الاجيال وفي ترسيخ فهم عميق للموسيقى العربية بوصفها نظاما حيا قابلا للتجدد
ولا تكتمل قراءة هذه التجربة دون التوقف عند دوره في انتاج المبدعين حيث استطاع مهدي إبراهيم ان يؤسس لمسار تكويني خرج منه عدد من الفنانين والفنانات الذين برزوا في السنوات الاخيرة وحققوا حضورا لافتا في الساحة الفنية وهو ما يجعله ليس فقط معلما بل منتجا ثقافيا يرفد الحقل الموسيقي بفاعلين جدد
ان هذه القدرة على انتاج الاصوات لا تقوم على التدريب التقني وحده بل على رؤية جمالية وتربوية تسعى الى اكتشاف الخصوصية الصوتية لدى كل متدرب والعمل على صقلها دون ان تفقد فرديتها وهو ما يفسر تميز الاصوات التي تخرجت على يديه بامتلاكها وعيا موسيقيا وهوية ادائية واضحة
وفي هذا السياق يكتسب حضوره في محافظة طرطوس دلالة خاصة حيث لا يكاد يغيب عن المشهد الثقافي والفني فيها اذ تشهد معظم الامسيات والفعاليات حضورا له سواء بالمشاركة او القيادة او الاشراف الامر الذي اسهم في خلق حالة من التراكم الثقافي وفي ترسيخ ذائقة موسيقية لدى الجمهور
كما ان هذا الحضور المستمر ترافق مع علاقة انسانية وثيقة مع محيطه ما جعله شخصية محبوبة تحظى بثقة واسعة وهو ما عزز من تاثيره وجعل مشروعه ممتدا في المجتمع لا منحصرا في اطار النخبة
وفي الختام اقول بصفتي كاتبا وشاعرا انا علي نفنوف انني استمع اليه كموسيقي واحيانا استمع اليه بصفتي كشاعر واحيانا استمع اليه بصفتي مؤرخ للحظات الجميلة وفي جميع الحالات اراه مبدعا يستحق التوثيق وقد كان بحق ذاكرة طرطوسية جميلة وتاريخا موسيقيا حافلا مما يتوجب علينا جميعا ابناء هذه المحافظة وابناء هذا الوطن ان نعتبر ان الفنان والموسيقار الملحن مهدي إبراهيم هو قيمة انسانية مضافة وقيمة اخلاقية يجب ان نحتفي بها دائما ونتذكرها ونستشهد بها كي تكون نبراسا لمن يهتدي الى الابداع
وفي الختام ايضا لا بد لي من ان اشكر الصحفي والاستاذ هيثم يحيى محمد الذي طلب مني ان اكتب عن هذا المبدع واخبرني ان هذا الاسبوع هو اسبوع مهدي إبراهيم على صفحات موقع اخبار سوريا الوطن ولذلك لا بد من شكره وربما هو لا يحب ذلك ولكنني اؤمن بان قول الحقيقة واجب وان الاعتراف بالفضل جزء من صدق الكتابة

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
