آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » حين يقلّ توقّع عودة النار… ترتفع إمكانية السياسة

حين يقلّ توقّع عودة النار… ترتفع إمكانية السياسة

 

 

بقلم:أنس جودة

 

 

الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، رغم ما يبدو من شكليته، ليس مجرد وقفٍ لإطلاق النار. فللمرة الأولى منذ عقود، يلوح احتمال أن تدخل سوريا مرحلة تعددية سياسية فعلية من الداخل لا من الخارج. الفارق العميق اليوم ليس عسكرياً فقط، بل نفسي واجتماعي أيضاً. حين تبدأ الخطوات الأولى لتوقّف الناس عن توقّع عودة القتال، تتّسع المساحة أمام السياسة كي تتنفس.

 

قسد نفسها تقف أمام لحظة تحوّل. لسنوات جرى التعامل معها كقوة عسكرية توازن الجبهات وتفرض واقعاً ميدانياً، وكانت — وربما ما زالت إلى حدّ ما — ترى نفسها ممثلاً لحالة محلية منفصلة عمّا يجري في المركز. اليوم، هي أمام اختبار مختلف: أن تتحول إلى فاعل سياسي قادر على العمل ضمن مؤسسات المركز. هذا لا يعني أن السلاح اختفى، لكنه يعني أن العلاقة انتقلت من صدام مفتوح إلى تفاوض يومي، ومن منطق الغلبة والاستئثار إلى منطق إمكانيات الشراكة.

 

التهدئة الحالية خفّضت مستوى الكراهية الذي بدأ يتصاعد بشكل انفجاري، وفتحت نافذة لخطاب أقل توتراً. إدخال الفاعل الكردي إلى البنية المركزية يمنح فرصة لإعادة توزيع الشرعية بدل احتكارها ضمن فصائل “مؤتمر النصر” ذات اللون الراديكالي الواحد. كما أن تثبيت الحقوق التعليمية والثقافية يشكّل مكسباً ثابتاً يصعب التراجع عنه، لأن كلفته السياسية والاجتماعية ستكون مرتفعة.

 

هذا التوازن الهش جاء أيضاً نتيجة الواقع الإقليمي. التوتر المتصاعد واحتمالات المواجهة مع إيران يدفعان القوى الكبرى إلى تفضيل ضبط الجبهات الهشّة، لأن أي انفجار إضافي سيكون مكلفاً للجميع. لهذا يظهر حرص واضح من الولايات المتحدة و**فرنسا** على دعم الاستقرار النسبي ومنع الانزلاق، حتى لو كان ذلك عبر ترتيبات مؤقتة لا تحل كل المشكلات دفعة واحدة. مع ذلك، يبقى القلق مشروعاً. إذا كان الدمج شكلياً فقط، سنكون أمام تأجيل للأزمة لا أكثر، وأي شعور لدى المركز بأنه “انتصر” لا أنه دخل في شراكة، قد يعيد إغلاق المجال السياسي بسرعة.

 

الاختبار الحقيقي لن يكون في الواقع العسكري، بل في السياسة اليومية: هل تُفتح الحياة الحزبية والإعلامية فعلاً؟ هل تتحول اللامركزية إلى إطار قانوني واضح ونموذج يمكن تعميمه؟ هل تُدار الخدمات والرواتب والموارد بعدالة؟ وهل سينعكس الاتفاق على أداء المركز ويدفعه لقبول شراكات سياسية أوسع؟

 

بالتأكيد هذا الاتفاق ليس سلاماً كاملاً، لكنه حرّك المجتمع خطوة بعيداً عن توقّع عودة الحرب. وفي السياسة الواقعية، أحياناً تكون هذه الخطوة الصغيرة هي التي تصنع المسار الطويل.

سوريا لك السلام

(أخبار سوريا الوطن1-صفحة الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التاريخ يُعاند الحلم الكردي: من “جمهورية مهاباد” في إيران إلى كوباني السورية

  سميح صعب   لطالما لعبت التوازنات الدولية دوراً رئيسياً في تحديد مصير الشعب الكردي، الذي يعد نحو 35 مليون نسمة موزعين على تركيا والعراق ...