مهى كنج
في الأسبوع الأخير من آذار/مارس الجاري، تعرضت مجموعة “السبع الكبار” (Magnificent Seven) لهزّةٍ عنيفة، إذ خسرت 850 مليار دولار من قيمتها السوقية الجماعية في أسبوع واحد. وبلغت هذه الأزمة ذروتها الجمعة 27 مارس، حين سُجل فقدان أكثر من 330 ملياراً في جلسة تداولٍ واحدة، ما أدخل مؤشري “ناسداك” و”داو جونز” في منطقة التصحيح الفني.
في تعليقٍ أولي، ترى الخبيرة الاقتصادية ومحللة أداء الأسواق المالية نور البيطار أن هذا الانهيار “يعكس تقاطعاً معقداً بين المخاطر الجيوسياسية المتمثلة في حرب الشرق الأوسط، والمخاوف الاقتصادية من تضخمٍ متسارع مدفوع بأسعار الطاقة، فضلاً عن تحولٍ عميق في نظرة المستثمرين الى الجدوى الاقتصادية للاستثمارات الهائلة في الذكاء الاصطناعي”.
من هم “السبع الكبار”؟
مجموعة تهيمن على مكاسب الأسواق المالية منذ 2023، وتضم شركات التكنولوجيا والخدمات الرقمية التي صاغت ملامح القرن الحادي والعشرين:
شركة “ألفابت” (Alphabet) – الشركة الأم لمحرك البحث غوغل.
“أمازون” (Amazon) – الرائدة في التجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية.
“أبل” (Apple) – عملاق الأجهزة الذكية.
“ميتا بلاتفورمز” (Meta Platforms) – تسيطر على منصات التواصل الاجتماعي.
“مايكروسوفت” (Microsoft) – أكبر شركة برمجيات في العالم.
“إنفيديا” (Nvidia) – تقود ثورة معالجات الذكاء الاصطناعي.
“تسلا” (Tesla) – تقود التحول نحو المركبات الكهربائية.
ما قيمتها السوقية؟
تمثل هذه الشركات مجتمعة نحو 33.3% إلى 35% من مؤشر “إس آند بي 500” في 2026، وهو ارتفاع هائل من 12.5% فقط في 2016. وهذا يعني أن أي تراجعٍ في أداء هذه المجموعة يؤدي بالضرورة إلى تدهور السوق بالكامل، وهو ما يفسر سبب دخول المؤشرات الرئيسية في منطقة التصحيح بمجرد تعثر هؤلاء العمالقة.
حققت هذه الشركات عائداً مذهلاً بنسبة 875.5% بين 2016 و2025، متفوقةً بمراحلٍ على أداء مؤشر “إس آند بي 500″ العام الذي حقق 234.9% في الفترة نفسها.
البيانات الأساسية للسبعة الكبار (آذار/مارس 2026)
الشركة القطاع
الرئيسي القيمة السوقية
(تريليون دولار) الصناعة
إنفيديا
(Nvidia) تكنولوجيا معلومات 4,2 أشباه
الموصلات
أبل
(Apple) تكنولوجيا معلومات 3,7 أجهزة اتصال
وتخزين سحابي
ألفابت (Alphabet) خدمات
اتصالات 3,4 وسائط
تفاعلية
مايكروسوفت (Microsoft) تكنولوجيا معلومات 2,7 برمجيات
وخدمات سحابية
أمازون (Amazon) استهلاك
اختياري 2,2 تجزئة
وحوسبة سحابية
ميتا (Meta) خدمات
اتصالات 1,4 شبكات
اجتماعية
تسلا (Tesla) استهلاك
اختياري 1,1 مركبات كهربائية
وطاقة
ماذا حصل؟
تقول البيطار لـ”النهار” إن علامات التراجع بدأت تظهر على “السبع الكبار” منذ بلوغها ذروتها الرمزية في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2025، “وهو اليوم الذي شهد تجاوز قيمتها السوقية الجماعية حاجز 20 تريليون دولار، ووصول قيمة إنفيديا وحدها إلى 5 تريليونات دولار كأغلى شركةٍ في التاريخ. ومنذ ذلك التاريخ، فقدت المجموعة نحو 10% من قيمتها الإجمالية حتى منتصف مارس 2026، قبل أن يتسارع النزيف بشكلٍ حاد في الأسبوع الأخير من الشهر نفسه”.
تعرّضت الأسواق لهزّةٍ عنيفة الجمعة 27 مارس، فانخفض مؤشر “ناسداك” 2.15%، و”داو جونز” 1.72%، ليدخلا رسمياً منطقة التصحيح (انخفاض 10% أو أكثر من القمة السابقة). يُعزى هذا الانهيار الجماعي إلى تقاطع ثلاثة عوامل مدمرة: حرب إيران، وفشل رهانات الذكاء الاصطناعي، والضغوط القانونية المتزايدة.
ما تأثير حرب إيران؟
تجزم البيطار أن هذه الحرب حولت التكنولوجيا من “ملاذٍ آمن” إلى “أصولٍ عالية المخاطر”. وبحسبها، تكمن آلية هذا التحول في تهديد أمن الطاقة العالمي، فإغلاق إيران مضيق هرمز الذي يتدفق عبره خِمس إمدادات النفط العالمية رفع أسعار النفط الخام بشكلٍ جنوني، ليتجاوز سعر برميل برنت 110 دولارات، “وارتفاع أسعار الطاقة ليس مجرد تكلفةٍ تشغيلية لمراكز البيانات العملاقة، بل هو وقود للتضخم الذي يجبر البنوك المركزية على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعةً مدة أطول”. قفز عائد السندات الحكومية الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.43% نتيجة لهذه المخاوف، ما جعل أسهم التكنولوجيا التي تعتمد قيمتها على الأرباح المستقبلية “أقل جاذبية”.
ما ذنب الذكاء الاصطناعي؟
بعد سنواتٍ من النمو المدفوع بوعود الذكاء الاصطناعي، شهد 2026 تحولاً في عقلية المستثمرين من “الانبهار بالتكنولوجيا” إلى “المطالبة بالربحية”، مع ظهور بياناتٍ مالية مخيبةٍ للآمال. تشير التقارير إلى أن النفقات الرأسمالية لأمازون ومايكروسوفت وألفابت وميتا اقتربت من 700 مليار دولار في 2026، وهذا رقم مذهل يهدف الى بناء بنيةٍ تحتية للذكاء الاصطناعي. مع ذلك، “تبقى العوائد غامضة، فشركة OpenAI نفسها، التي تمتلك مايكروسوفت 27% منها، تتوقع خسارة 14 مليار دولار في هذا العام، وقد تصل خسائرها التراكمية إلى 74 مليار دولار بحلول 2028″، كما تقول البيطار.
وتضيف: “الإنفاق الهائل بدأ يضغط على التدفقات النقدية الحرة للشركات، فقد أنفقت مايكروسوفت وحدها 37,5 مليار دولار في ربعٍ واحد، وهذا يمثل أكثر من نصف إجمالي إنفاقها الرأسمالي للسنة المالية 2025 بالكامل”. كما تزايدت المخاوف من أن أدوات الذكاء الاصطناعي مثل Copilot لا تحقق عوائد سريعةً بما يكفي لتبرير هذه الأكلاف، بينما بدأت حصة OpenAI في السوق تتراجع لمصلحة منافسين مثل Gemini وGrok.
مَن الخاسر الأكبر؟
بالنسبة إلى البيطار، تعتمد الإجابة عن هذا السؤال على المعيار المستخدم: محو القيمة السوقية الإجمالية أم التراجع بالنسبة المئوية؟
– مايكروسوفت: الخسارة السوقية الأضخم
مايكروسوفت الخاسر الأكبر من حيث القيمة الرأسمالية. فمنذ وصول سهمها إلى ذروته عند 555 دولاراً في تموز/يوليو 2025، فقدت أكثر من تريليون دولار من قيمتها السوقية. انخفض السهم 35% من القمة، وهو ما يضعه بقوة في “سوقٍ هابطة”. في عام 2026 وحده، تراجع السهم 23.4% حتى أواخر مارس، ما يجعله الأسوأ أداءً بين السبع الكبار منذ بداية العام.
– ميتا: الانهيار السريع
ميتا هي الخاسر الأكبر في 27 مارس، إذ هوى سهمها 8% في جلسةٍ واحدة، متراجعاً من نحو 800 دولار قبل ستة أشهر إلى ما دون 600 دولار. وهذا يعكس فقدان ثقة المستثمرين نتيجة الأكلاف القانونية وضخامة الإنفاق على “ميتافيرس” والذكاء الاصطناعي.
– إنفيديا: نهاية عصر الـ “5 تريليونات”
بعدما أصبحت الشركة الأعلى قيمةً في العالم بنحو 5 تريليونات دولار في أكتوبر 2025، تراجعت قيمتها إلى 4,2 تريليونات دولار في مارس 2026. فقدانها 800 مليار دولار من قيمتها يعكس القلق من تباطؤ الطلب على الرقائق إذا بدأت شركات التكنولوجيا بتقليص إنفاقها الرأسمالي الضخم.
– تسلا: تآكل الميزة التنافسية
تأثرت تسلا بارتفاع أكلاف الطاقة والمواد الخام نتيجة الحرب، وبتراجع الطلب على مركباتها الكهربائية. انخفض سهمها 3.6% في 27 مارس، وسط تساؤلاتٍ حول قدرة مشاريع “الروبوتاكسي” و”أوبتيموس” على تعويض التراجع في مبيعات السيارات التقليدية.
ما خسائر هذه الشركات منذ بداية الحرب؟
منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، شهدت جميع شركات المجموعة تقريباً تراجعاتٍ حادة، باستثناء “أبل” التي أظهرت مرونةً غير متوقعة.
مايكروسوفت: شهدت أسوأ ربع لها منذ أزمة 2008 المالية، فتراجعت 25% منذ بداية الحرب نتيجة رعب المساهمين من استمرار الإنفاق الملياري على البنية التحتية.
ميتا: انخفضت 29% منذ أكتوبر، لكن الجزء الأكبر من التراجع حدث بعد اندلاع الحرب والصدور المتزامن للأحكام القضائية.
إنفيديا: تراجعت 20% من قمتها في أكتوبر، مع تسارع البيع في مارس نتيجة ارتفاع عوائد السندات.
ألفابت: فقدت 9% في الأسبوع الأخير من مارس وحده نتيجة المخاوف من تأثير الحرب على الإنفاق الإعلاني العالمي.
أبل: كانت “الناجي الوحيد” نسبياً؛ فارتفع سهمها 7% في أسبوع الحرب الأخير، مدفوعاً بالطلب على آيفون، ولأنها تتبع استراتيجية إنفاقٍ رأسمالي أكثر حذراً مقارنة بمنافسيها.
خلاصة القول
في هذا المشهد الجديد، لم يعد المستثمرون يبحثون عن أكبر الشركات، بل عن “أشدّها مرونة” وأقدرها على توليد النقد الحقيقي في عالمٍ مستعر بالصراعات. تجد البيطار في صمود “أبل” النسبي “تلميحاً إلى نوع الشركات التي قد تقود المرحلة المقبلة: شركات تمتلك ميزانياتٍ صلبة، وتعتمد بشكلٍ أقل على الديون، وتتميز بعلاقةٍ مباشرة ومستقرة مع المستهلك النهائي”.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
