في خطاب «تَنبّؤيّ» ألقاه في بروكسل في حزيران 2011، حذّر وزير الدفاع الأميركي، آنذاك، روبرت غيتس، حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين من أنهم إذا لم يبدأوا في إنفاق المزيد من أجل أمنهم، فقد يصبح «الناتو»، في يوم من الأيام، «من الماضي». واليوم، مع إعلان دونالد ترامب، في منشور عبر منصته «تروث سوشال»، أنه يخطط لفرض تعرفة جمركية جديدة بنسبة 10% – ترتفع إلى 25% بحلول حزيران – على الدنمارك وسبع دول أوروبية أخرى ما لم «يتمّ التوصل إلى اتفاق لشراء غرينلاند بشكل كامل وشامل»، يجادل البعض بأن تلك الخطوة ستكون بمنزلة «ناقوس موت» للنظام العابر للأطلسي الذي نشأ عقب عام 1945، وذلك بعدما أعادت مطالب ترامب إلى الأذهان «عصر مؤتمر برلين» الذي انعقد عام 1884، وشرّع معاملة الأراضي والبشر عبر نظرة عالمية قائمة على مبدأ أن «القوة تصنع الحق» – رغم أن هذا المبدأ ما فتئ سارياً بالفعل، مع فارق أنه كان في ما مضى مغلَّفاً بستار أيديولوجي.
ورداً على ذلك، حذر زعماء الدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد والمملكة المتحدة، وهي جميعها دول مستهدَفة بتعرفات ترامب الجديدة، في بيان مشترك، من أن التهديدات الجمركية «تقوّض العلاقات عبر الأطلسي وتخاطر بدوامة هبوطية خطيرة»، مؤكدين اعتزامهم «مواصلة الوقوف متحدين ومنسقين في استجابتنا. ونحن ملتزمون بالحفاظ على سيادتنا».
ويأتي هذا فيما تدرس عواصم الاتحاد الأوروبي استهداف الولايات المتحدة برسوم جمركية بقيمة 93 مليار يورو، أو تقييد دخول الشركات الأميركية إلى سوق الكتلة، في ما سيمثّل أخطر أزمة في العلاقات عبر الأطلسي منذ عقود. وبحسب مسؤولين مشاركين في تلك الاستعدادات، تحدثوا إلى صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، فإنه يجري وضع الإجراءات الانتقامية لمنح الزعماء الأوروبيين نفوذاً في الاجتماعات المحورية مع الرئيس الأميركي في «المنتدى الاقتصادي العالمي» الذي بدأ الإثنين، وبلغ «ذروته» أمس، مع وصول ترامب إلى دافوس لحضوره.
وكان ديبلوماسيون أوروبيون قد عقدوا اجتماعاً طارئاً في بروكسل، بعد ظهر الأحد، ناقشوا خلاله ردّهم على تهديد ترامب، وسط تقارير تفيد بأن فرنسا تضغط على الاتحاد لاستخدام أقوى تهديد اقتصادي مضادّ للولايات المتحدة، والمعروف باسم «أداة مكافحة الإكراه» (ACI). وفي وقت يجري فيه تصوير هذه الأداة، التي لم تستخدم من قَبل، على أنها «البازوكا الكبيرة» في مواجهة قواعد اللعبة التي وضعها ترامب بشأن التعرفات الجمركية، يصرّ الزعماء الإقليميون على أنهم يريدون مواصلة الحوار مع الولايات المتحدة في الأيام المقبلة لحل الخلاف حول غرينلاند.
على أنه بالعودة إلى مؤتمر دافوس، فقد حوّلت سلسلة منشورات ترامب، عشية المؤتمر، والتي أكد فيها أنه «لن يتراجع» عن مطالبه، ما كان، ذات يوم، بمنزلة تجمّع سنوي رفيع المستوى، إلى «قمة ديبلوماسية طارئة»، في حين أوحى الوفد المرافق لترامب، والمؤلّف من أكبر مسؤوليه وأقدمهم، بأن الرئيس لا يسعى إلى «تهدئة» الأوضاع، على غرار ما يأمله حلفاؤه الأوروبيون، بل إعادة تأكيد «هيمنة» واشنطن على هؤلاء، والتمسّك بمطالب «احتلال» بعض أراضيهم؛ وهذا ما ثبت مجدّداً أمس، مع إعلان ترامب أن «ما نريده من الدنمارك من أجل أمننا القومي وكبح خصومنا هو الحصول على غرينلاند لبناء منظومة القبة الذهبية». وأشار ترامب إلى أن «ما نطالب به اليوم هو قطعة جليد ولكنها قادرة على حماية السلام العالمي»، مضيفاً أنه «لا يمكن الدفاع عن غرينلاند إذا استمرّ الوضع الحالي».
وبالتوازي مع المؤتمر، كان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بينسيت، يهاجم إسبانيا، بسبب عدم «تكثيفها إنفاقها الدفاعي»، ويكرر انتقادات ترامب للمملكة المتحدة، على خلفية صفقة جزر تشاغوس، والتي استغلّها لتبرير «اعتقاد الرئيس بأننا لا نريد سيناريو دييغو غارسيا آخر على أيدينا». كذلك، شدّد بينسيت على ضرورة «أن تهدأ أوروبا وتأخذ نفساً عميقاً، وألا تنتقم»، مشيراً، في الوقت عينه، إلى أن ترامب «يعتقد أن غرينلاند ضرورية لدرعه الصاروخي ذي القبة الذهبية».
يحاول أقرب حلفاء واشنطن رفع تكاليف أي هجوم عسكري على غرينلاند
في المقابل، وفي خطابه الثلاثاء، وجه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، التحذير الأكثر قوة في المنتدى بشأن «ضرب التعددية» على الساحة العالمية، معتبراً أن ذلك سيكون بمنزلة «تحوّل نحو عالم بلا قواعد، حيث يُداس القانون الدولي بالأقدام، وحيث القانون الوحيد الذي يبدو مهماً هو قانون الأقوى». وقال: «نحن نفضل الاحترام على المتنمرين. ونفضل سيادة القانون على الوحشية»، محذراً من أن الوقت ليس مناسباً لـ«فتح صندوق باندورا»، في إشارة إلى أسطورة يونانية قديمة، تتحدث عن فتح باندورا لصندوق أهدي إليها بدافع الفضول القاتل، لتنطلق منه كلّ شرور البشرية، من مثل الأمراض والجشع والحروب. أيضاً، اعتبر ماكرون أن «هذا ليس الوقت المناسب لعودة الإمبريالية الجديدة أو الاستعمار الجديد».
من جهتها، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أمس، أن «مستقبل غرينلاند هو أمر يقرّره سكان غرينلاند فقط»، مشددةً على ضرورة أن تبدّل أوروبا «الطرق التي نفكر بها ونتصرّف بها، لمواجهة التحديات التي يفرضها النظام العالمي المتغير بسرعة». وقالت: «أوروبا بحاجة إلى إدراك أننا نعيش الآن في عالم تحدده القوة الخام. وفي هذا العالم الخارج عن القانون بشكل متزايد، تحتاج أوروبا إلى أدوات القوة الخاصة بها، والتخلّي عن حذرها التقليدي للبناء على قوتها الاقتصادية والتحول إلى كتلة أكثر استقلالية».
ويتزامن تصعيد المواقف الأوروبية مع عملية مراكمة تدريجية وغير مسبوقة للأصول العسكرية والديبلوماسية في الجزيرة، وفقاً لما أفادت به صحيفة «وول ستريت جورنال»؛ إذ «يحاول أقرب حلفاء أميركا رفع تكاليف أيّ هجوم على غرينلاند»، «وإثبات أن الأخيرة لن تكون فريسة سهلة»، على حدّ تعبير أحد كبار المسؤولين الأوروبيين. والواقع أن ترامب كان قد أفصح، منذ كانون الأول الماضي، بوضوح عن نيته «الانقضاض» على القارة، وذلك بعدما عكس الشق الخاص بأوروبا في «استراتيجية الأمن القومي» الجديدة في عهده، تصعيداً أكثر دراماتيكية من ما وُجّه إلى البحر الكاريبي حتى، بتضمنه تحذيراً من أن الدول الأوروبية تواجه «تدهوراً اقتصادياً» يخلق احتمالاً حقيقياً وواضحاً بالوصول إلى حدّ «محو الحضارة». أمّا النقطة الأبرز في الشق المذكور، فتذهب إلى أبعد ممّا تقدّم، متحدّثة عن مساعٍ تبذلها الإدارة الحالية من أجل «إنهاء تصوّر (الناتو) الحالي وواقعه كتحالف يتوسع باستمرار».
ورغم تحذير عدد من المراقبين من أن «العمل العدواني الخام» الذي يعتزم ترامب القيام به، يواجه معارضة سياسية داخل الولايات المتحدة، حيث تظهر استطلاعات الرأي العام أنه في حين أن شريحة من الحزب الجمهوري تؤيد شراء غرينلاند، فإن 8% فقط من الأميركيين يؤيدون استخدام القوة للاستحواذ على الجزيرة، إلا أن هؤلاء يقرون بأنه «يتعين على أوروبا أن تدرك أنها تتعامل مع رئيس تُسكره السلطة التنفيذية، ولا تردعه معارضة الكونغرس أو الجمهور المتشكك، الذي ينظر إليه الرئيس على أنه مرن وأكثر اهتماماً بتكاليف المعيشة والحروب الثقافية من سيادة القطب الشمالي».
وفي ظلّ تصاعد الهلع الأوروبي في شأن غرينلاند، يتخوف مسؤولو الاتحاد أيضاً من أن «تَحرف» الجزيرة اهتمامهم عن أوكرانيا، وهو ما انعكس في تحذير وزير الدفاع النرويجي، توري ساندفيك، من أنه «في حين أن الوضع في حلف شمال الأطلسي صعب بسبب أزمة غرينلاند، فإن الحلفاء الغربيين يجب أن يتذكروا أن روسيا تظلّ خصمهم المشترك الرئيسي».
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
