كريمة دغراش
لم يعد يُنظر في عدد من الدول الأفريقية شمالاً وجنوباً إلى الانفتاح المتسارع على روسيا والصين في السنوات الأخيرة كوصفة للتحرر من الهيمنة الغربية على دول القارة. فبين ما حدث في سوريا قبل نحو عام، وما حدث في فنزويلا قبل أسابيع، وما يحدث اليوم في إيران، يطرح المراقبون أسئلة عديدة بشأن مدى “موثوقية العلاقة” مع الحلفاء الجدد.
من الأسد إلى مادورو
يسود شعور عام لدى العديد من المتابعين للشأن الأفريقي بأن روسيا والصين، اللتين تشكلان العمود الفقري لما يُعرف بـ”معسكر الشرق”، قد تخلتا عن أبرز حلفائهما ممن وقفوا في وجه أميركا والهيمنة الغربية.
فبعد نحو عام من سقوط نظام بشار الأسد, الحليف البارز لموسكو في دمشق، نجحت الولايات المتحدة في استهداف نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا في عملية مفاجئة، وكما حدث مع الأسد، وقفت كلٌّ من روسيا والصين صامتتين إزاء اعتقال مادورو، مكتفيتين ببضع بيانات إدانة ودعوات إلى الحوار، ما يثير تساؤلات في أفريقيا حيال أسباب هذا الصمت: هل هو عجز عن حماية الحلفاء أم سياسة نابعة من حسابات براغماتية؟
تنامي الحضور الصيني والروسي
في الأعوام الأخيرة، وجدت دول أفريقية عدة، من شمال القارة إلى جنوبها، في المعسكر الشرقي بقيادة روسيا والصين بديلاً في ظل هيمنة غربية وأميركية سياسية واقتصادية، تحت غطاء ملفات مثل الحريات وحقوق الإنسان.
قدمت موسكو وبكين نفسيهما بديلاً موثوقاً لعدد من دول القارة، لا يسعى للتدخل في شؤونها، وهو ما أسهم في توسيع العلاقات وتوطيدها، خصوصاً عبر المؤتمرات الاقتصادية المشتركة والمشاريع الكبرى المنتشرة في معظم دول المنطقة.
ويحذّر متابعون من أن تتحول العلاقات مع موسكو وبكين إلى أوراق تفاوض موقتة لا توفر حماية حقيقية عند الأزمات الكبرى. وفي حين يبرز الحضور الصيني على صعيد الشراكة الاقتصادية، يذهب محللون إلى أن غياب رؤية روسية متكاملة في منطقة دول الساحل يجعل نفوذ موسكو هشّاً ومرتبطاً بظروف سياسية وأمنية ظرفية.
أما في شمال أفريقيا، وتحديداً تونس والجزائر، فتبدو المخاوف أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع أزمة اقتصادية عميقة مع خيارات سياسية حساسة، ويسود في الأوساط السياسية قلق صامت بالنظر إلى تجارب دول اعتمدت على دعم شرقي دون أن تحصد استقراراً مستداماً.
دروس دمشق وكراكاس وطهران
تقول الكاتبة التونسية آسيا العتروس لـ”النهار” إن السؤال الأكثر تداولاً منذ عودة لغة التهديدات الأميركية يتعلق بغياب موقف قوي وواضح من الحليفين الروسي والصيني، وهو ما برز في المشهد الفينزويلي حين تم اختطاف مادورو، فيما كان المبعوث الخاص الصيني يزور فنزويلا.
وترى العتروس أن الموقفين الروسي والصيني اتسما في الحالة الفينزويلية واليوم في إيران بـ”الحذر والتأني، وعدم المجازفة بما قد يعرض سلطات البلدين، وكلاهما عضو في مجلس الأمن الدولي، إلى عقوبات أميركية أو أوروبية”. وتشير إلى أن الأمر ذاته حدث مع نظام الأسد رغم المصالح الروسية الواسعة في سوريا.
كذلك، تلفت العتروس إلى أن إيران، رغم مشاركتها في مناورات عسكرية مع الصين وروسيا وانضمامها إلى “البريكس” ومنظمة شانغهاي للتعاون، لم تجد دعماً صينياً أو روسياً في الأحداث الراهنة، كما حدث في الصيف الماضي. وتؤكد أن الصين لن تتدخل بشكل جدي إلا في حال توسع التدخل الأميركي في تايوان، قائلة: “لن تبقى الصين حينها مكتوفة الأيدي”.
وتعتبر العتروس أن المشهد معقد ومفتوح على العديد من السيناريوات، و”من الواضح أن لا روسيا ولا الصين ستتدخلان بشكل مباشر في أي مواجهة، وهو ما يفقدهما دور الضامن الاستراتيجي لحلفائهما بما في ذلك الدول الأفريقية”.
حسابات براغماتية
ويؤكد مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية ديميتري بريجع، لـ”النهار”، أن سقوط نظام الأسد ثم اعتقال مادورو “يكشفان حدود القوة الروسية”، ويبينان أن تحالفات موسكو “قائمة على حسابات براغماتية وليست ضمانة للدعم غير المشروط”.
ويتابع: “في أفريقيا، حيث تعتمد بعض الأنظمة على الوجود الروسي، بعث هذان الحدثان برسالة واضحة: موسكو لن تدخل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة لحماية حلفائها البعيدين”.
ويشير بريجع إلى أن هذا دفع العديد من العواصم الأفريقية إلى تنويع شراكاتها الأمنية والاقتصادية بحثاً عن توازن بين القوى الكبرى، ويضيف أن “الترويج لنظرية عجز موسكو عن حماية حلفائها يضعف علاقاتها مع دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي تراقب الوضع بقلق”.
ويذكر أن روسيا قدمت دعماً لنظام الأسد، لكن مع انصرافها لجبهات أخرى لم يستطع الصمود بسبب هشاشته، فيما تحاول موسكو إعطاء انطباع جيد بموقفها ما بعد سقوط الأسد، خصوصاً وأنها تمتلك قواعد عسكرية هامة في سوريا مثل قاعدة حميميم، التي تمثل جسرها الاستراتيجي نحو أفريقيا.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
