يعود الخطاب الأميركي إلى استعارة النبوءات الدينية لتبرير الحروب، لكن النسخة الترامبية تبدو أكثر فجاجة. فبين الأرمغدون الإنجيلي والسياسة الإمبراطورية، يتحول الصراع مع إيران إلى سردية نهاية الزمن. هكذا، تسلل الخيال اللاهوتي إلى القرار العسكري ومنح العنف معنى «خلاصياً» في المخيال الأميركي
في عام 2001 وبعد أيامٍ قليلة على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، خرج جورج بوش الابن في مؤتمرٍ صحافي ليعلن ما سماه آنذاك «الحرب على الإرهاب». ألقى بوش يومها خطاباً استحضر فيه عبارة «الحرب الصليبية»، شاحذاً ما تنطوي عليه هذه العبارة من كثافة رمزية لتوظيفها في تبرير مشروعه الإمبريالي وتسويغه ثقافياً وسياسياً.
سعى ابن المحافظين الجدد، الذي تأثر بكتاب «نهاية التاريخ» مثل باقي أقرانه في الحزب الفاشي، إلى إضفاء معنى أوسع على حروبه، عبر تصوير الحرب بين أميركا «الخير» والعراق «الشر» على أنها لحظة أخيرة، يطوى فيها الصراع الأيديولوجي ويختتم، ليحل سكوناً ليبرالياً مديداً.
بوش الصغير، وهو الرئيس الذي عُرف بحشر إصبعه في أنفه ثم وضعه في فمه (يُقال إنه كان يفعل ذلك لإخراج ما تبقى من كوكايين عالق ومضغه)، حاول إسناد بعد حضاري إلى حملاته العسكرية، متخيّلاً «إنهاء» تاريخ من الاستبداد ثم إدماج «المستبَدّ» في «كونية» ليبرالية «اجتُثّ» منها الإرهاب وتذوب في الديموقراطية. وكما شهدنا لاحقاً، فقد دخل العراق، بالفعل، إلى «الكونية» من بوابة «بلاك ووتر» وسجن أبو غريب.
غادر بوش الرئاسة الأميركية، لكنّ هوس المحافظين الجدد بفكرة النهايات لم يضمحل، بل بقي راسخاً إنما ازداد، مع الوقت، تأصلاً. مرّ ما يقارب عقداً من الزمن، وكان العالم طوال تلك المدّة يفلت تدريجاً من عقاله، حتى تسلّم سدّة الحكم في أميركا معتوهٌ آخر مقرّب من سلالة المحافظين الجدد؛ دونالد ترامب المهجوس بدوره، بفكرة النهايات.
الرجل الذي يستيقظ في الصباح ويعلن أنّه أنهى حرباً ما، وينام في الليل وفي ذهنه رغبة ملحة في إنهاء ما يزعم أنه «خطر» يحدق بالعالم. لكن لم يخطر في بال أحد أنّ ترامب المنتفخ بالأورام الإبستينيّة، سيقوده هوامه بفكرة النهايات إلى بلوغ أقصى درجات التجريد حدّ اعتبار المقربين منه بأن حربه مع إيران هي الأرمغدون؛ حدث النهاية الدالّ على انقضاء الأزمنة، على نحوٍ يتماهى مع ما فعله بوش الابن سابقاً في استدعائه المحمول الديني في خطابه السياسي.
فضيحة تشبه الإنجيل المنحول
والأدق قوله إنّ ترامب لم يتماهَ مع بوش الابن إنّما تجاوزه فداحةً. وهو ما يمكن فهمه في ضوء شخصية متورّمة إبستينياً، غروتيسكية، متضخمة بالقباحة السياسية، فكما عبرت الفيلسوفة الفرنسية سينتيا فلوري «في دائرة مغلقة؛ إنّ الغروتيسك ينجب الغروتيسك نفسه».
رأينا ترامب وهو يُعيَّن من قبل إنجيليين هراطقة، ومشعوذين ما ــ بعد وثنيين متشددين، بوصفه «المخلص الموعود». ورأينا تلك الصورة الشهيرة حيث توضع الأيادي على كتفه بينما يجلس في صورة طقوسية توحي بالتقديس، هذه المشاهد لم تعد محاكاةً، ولا مسرحاً أدائياً، بل شيء من الحقيقة.
هذا ما بيّنه لنا الصحافي جوناثان لارسن الذي نشر أخيراً على حسابه في «سابستاك» الآتي: «أبلغ قائدُ وحدة قتالية أميركية ضبّاطَ الصفّ بأنّ الحرب على إيران جزء من «الخطة الإلهية» مدّعياً أنّ الرئيس دونالد ترامب «ممسوح من قبل يسوع» لإشعال معركة أرمغدون.
وقد قُدّمت أكثر من 110 شكاوى إلى «مؤسسة الحريات الدينية العسكرية» سُجِّلت خلال 48 ساعة من أكثر من 40 وحدة عبر ما لا يقلّ عن 30 منشأة عسكرية. وقد طلب مقدّمو الشكاوى، ومن بينهم مسيحيون ومسلمون ويهود، عدم الكشف عن هوياتهم تجنّباً للانتقام. (…) وبحسب رئيس المؤسسة، مايكي فينيشتاين، فقد أفاد عسكريون في الخدمة بوجود «نشوةٍ منفلتة» لدى شرائح من سلسلة القيادة، تُصوِّر الهجوم على إيران بوصفه عملاً مرتبطاً بنبوءات نهاية الأزمنة في سفر الرؤيا».
تعددت تفسيرات الأرمغدون المأخوذ من سفر الرؤيا وتنوّعت تأويلاته، إلا أنه استقر في أحد تفسيراته داخل بعض تيارات اللاهوت الحديث كما قرأته بعض فرق الإنجيلية المعاصرة، على تصوّرٍ يميل إلى فهمه (الأرمغدون) باعتباره سيناريو مواجهة عسكرية تروم نهاية الزمان، أي انقضاء التاريخ.
العقل الأرمغدوني
وإذا كان لا بدّ من شرح أبعاد الأرمغدونية في السياق الإنجيليّ الحديث، فهي باختصار، اعتقاد يقوم على اعتبار أنّ العدالة تتحقق بانفجارٍ كونيّ حاسم. فانتصار الحق على الباطل يحتّم نهاية تراجيدية تسبق الملكوت الأرضي، حتى يتطهر العالم من الغث والآثام، وتمهيداً لعودة المسيح. ورد الأرمغدون في سفر الرؤيا في العهد القديم، وهو نصّ مكثف وموجز، مال عدد من المسيحين مثل القديس أوغسطينوس إلى قراءته رمزياً وإخضاعه للتأويل بما يناسب بنية العقيدة، فيما نحا آخرون، ومنهم إنجيليون إلى اعتماد قراءة حرفية لهذا النص والتماس معه باعتباره نبوءة تاريخية قابلة للتحقق، وتحتاج إلى فاعلٍ يسرّع تحقيقها.
تعددت تفسيرات الأرمغدون المأخوذ من سفر الرؤيا
انطلاقاً من هذه القراءة الداعشية، بات النظر إلى دونالد ترامب «الممسوح» يلامس المسيح الدجال ووعوده. وهذا يعني أنّ إلقاء قنبلة نووية على ايران وفق هذا المخيال الأصولي، هو فعلٌ مبررٌ ويكاد يكون مطلوباً، إذ يُرتهن مجيء الملكوت الموعود بفاجعةٍ بشرية، تراجيديا كونية، أي نكبة كارثية كانفجار بركانيّ يمحو مدينةً بأكملها، مثل مدينة بومبيي حين ابتلعها رماد.
ميتافيزيقيا صنعت في أميركا
الأرمغدونية هنا هي أسلوب في تأويل التاريخ لا في تأويل النصّ، على أنّ هذا التأويل يعيد ترتيب الواقع وفق بنيةٍ نبوئية تمنحه معنى آخروياً. كأن ما سيحدث مكتوبٌ سلفاً، أي أنّ النّص سابقٌ على الواقع، فيما الواقع معلّق ينتظر دجالاً قادراً على جعل المطر يهبط على المدينة ليطهرها من أوساخها كما كان يرغب ويتخيّل «ترافس بيكل» في فيلم «تاكسي درايفر».
ما كان تصويراً شعرياً لصراعٍ كونيّ بين الخير والشر في سفر الرؤيا، يتحوّل إلى برنامجٍ تاريخيّ مصدّق عليه من البنتاغون، وينتظر تحقيقه عبر الحروب العسكرية. تبني هذه الميتافيزيقيا مقولاتها في انتزاع النصّ الرؤيوي كما ورد في سفر الرؤيا من مجازه، وتفسيره بوصفه خطة زمنية لأحداثٍ مقبلة ومعدّة سلفاً. على هذا النحو، يغدو العالم السياسي مسرحاً لتحقيق النبوءة. يضفي إذاً «العقل الأرمغدوني» على الصراع طابعاً قدرياً، يقرأ العالم في ضوء نهايةٍ متخيَّلة تُسبغ على العنف طابع الضرورة وعلى التاريخ وعد الخاتمة.
مرة جديدة، تجد الحداثة نفسها في مأزقٍ يشي بأزمة مشروعها. تبدو بشارة ماكس فيبر عن عصرٍ «يتسم بالعقلنة والتفكير العلمي وفوق كل شيء نزع السحر عن العالم» بشارة غير مكتملة، ذاك أن السحر قد ذاب في التفكير العلمي وفي العقلنة. أميركا التي تتباهى بانحيازها إلى العلم واحتقارها للميتافيزقيا تجد نفسها أسيرة عقل غيبي جاحد، يتشبث بسردية خلاصية زائفة سيحققها عجوز أصهب سيرته الذاتية طافحة بالفضائح البورنوغرافية والجرائم الإبستينية.
الأرمغدون vs الأبوكاليبس
قد يرى عاقلٌ أنّ الأخطر من القنبلة النووية هو المجنون الذي يمتلك قنبلة نووية. توحي الطبخة الأميركية بأن المواءمة بين الحداثة التقنية مع سرديات خلاصية ذات نزوع أرمغدوني متمثلة بمخلّص رباني، وهو السياسي الذي يؤمن به جيشه بوصفه الوعد النهائي الإنقاذ، يصير، بذاته، القنبلة النووية.
فضيحة الصحافي لارسن لا تثبت لنا عته دونالد ترامب والإدارة الأميركية فقط، بل هي درسٌ بسيط يؤكد لنا حضور الأيديولوجيا في الخطابات التي تدّعي التحرر منها، ووصف نفسها بـ«لا أيديولوجيا». إن الميتافيزيقيا القائمة على الأرمغدون وما شاكل، لا تقدّم بوصفها سلطة لاهوتية بالمعنى الروحانيّ إنما أيديولوجيا متخفية وراء العلم والتقدم.
وفي العودة إلى الأيديولوجيا المتأسّسة على بنى دينية، سادت في أواخر القرن الماضي العودة إلى كتابات القديس بولس، وكان الفيلسوف النمسوي جاكوب تاوبس واحداً من هذه الموجة الفكرية.
أعاد تاوبس، المفكر الذي مزج الفلسفة السياسية واللاهوت، التفكير في مفهوم الأبوكاليبس، إذ رأى أن التاريخ الغربي الحديث لا يمكن فهمه بمعزل عن جذوره اللاهوتية. على عكس القراءة الحرفية للأرمغدون عند الإنجيليين المعاصرين المؤثرين في ترامب، يمثّل الأبوكاليبس عند تاوبس وعياً ثورياً يشترط قطيعة تاريخية مع النظام (الإمبراطورية الرومانية في حالة بولس)، وهو ليس وعداً بكارثةٍ أو نبوءة كما هي حال التأويل الأرمغدوني الإنجيليّ.
الأبوكاليبس، في قراءة تاوبس، حدثٌ يفتح الزمن ولا يغلقه؛ فهو ليس اجتياحاً عسكرياً يمهد للخلاص بل لحظة ثورية تعطّل جمود التاريخ وتمنحه إمكانيةً أخرى للتشكل. وقد حذّر تاوبس من أن تتحول القراءة الأبوكاليسية إلى برنامج سلطوي، فإذا صارت مشروعاً سيادياً، فإنها ستنقلب إلى مسار مغلق يزعم أنه يسرّع تحقيق النبوءة بالقوة والعنق. وفي هذا السياق، تنشأ الخطورة لأنّ التاريخ سيتقدم نحو معركة يدعي أنها نهائية، ويغدو العنف عندها وسيلة مباحة وضرورية.
شيء ما شبيه بهذا التوتر بين الأبوكاليبس التاوبسي والعقل الأرمغدوني، يبدو حاضراً اليوم في مشهد الحرب، وإرهاصاته، بين أميركا وإيران. في كل الأحوال، هي لحظة تاريخية كشفت عن المسيح الدجال عند من يمتلك عينين.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
